فصل: تفسير الآيات رقم (77- 86)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


سورة ص

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ ‏(‏1‏)‏ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ‏(‏2‏)‏ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ‏(‏3‏)‏ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ‏(‏4‏)‏ أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قرأ أُبَيُّ بن كَعْبٍ والحسن وابن أبي إسحاقَ‏:‏ «صَادِ» بِكَسْرِ الدالِ، والمعنى‏:‏ مَاثِلِ القرآن بِعَمَلِكَ، وقارِبْهُ بطاعَتِكَ، وكذا فسَّرهُ الحَسَن، أي‏:‏ انظر أينَ عَمَلُكَ مِنْهُ، وقال الجمهورُ‏:‏ إنه حَرْفُ مُعْجَمٍ يَدْخُلُه مَا يَدْخُل أوائِلَ السور مِنَ الأَقْوَالِ، وَيَخْتَصُّ هذا بأنْ قَالَ بعضُ الناسِ‏:‏ معناه‏:‏ صَدَقَ محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الضَّحَّاك‏:‏ معناهُ‏:‏ صَدَقَ اللَّهُ، وقال محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ‏:‏ هو مِفْتَاحُ أَسْمَاءِ اللَّهِ‏:‏ صَمَدٌ صَادِقٌ، ونحوُهُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والقرءان ذِى الذكر‏}‏ قَسَمٌ؛ قال ابن عباسٍ وغيره‏:‏ معناه‏:‏ ذي الشَّرَفِ الباقي المُخَلَّدِ، وقالَ قتادة‏:‏ ذي التذكرةِ للنَّاسِ والهداية لهم، وقالت فرقةٌ‏:‏ ذي الذِّكْرِ للأُمَمِ والقَصَصِ والغُيُوبِ، * ت *‏:‏ ولا مانَعَ ‏[‏مِنْ‏]‏ أَنْ يُرَادَ الجميعُ، قال * ع *‏:‏ وأما جَوَابُ القَسَمِ، فَاخْتُلِفَ فيه؛ فقالت فرقة‏:‏ الجوابُ في قوله‏:‏ ‏{‏ص‏}‏؛ إذ هُوَ بمعنى‏:‏ صَدَقَ اللَّهُ أو صَدَقَ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال الكوفيُّون والزَّجَّاج‏:‏ الجَوَابُ في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 64‏]‏، وقَالَ بَعْضُ البصريِّين ومنهم الأخفَشُ‏:‏ الجوابُ في قوله‏:‏ ‏{‏إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 14‏]‏ قال * ع *‏:‏ وهذانِ القولانِ بَعيدانِ، وقال قتادة والطبري‏:‏ الجواب مقدَّرٌ قَبْلَ «بل»، وهذا هو الصحيحُ، وتقديره‏:‏ والقرآن، ما الأَمْرُ كَما يَزْعُمُونَ، ونَحْوُ هَذَا مِنَ التَّقْدِير، فَتَدَبَّرْهُ، وقال أبو حَيَّان‏:‏ الجوابُ‏:‏ إنك لمن المرسلين، وهو ما أثْبَتَ جَوَاباً للقرآن حينَ أقْسَمَ بهِ، انتهى، وهو حَسَنُ، قال أبو حيان‏:‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فِى عِزَّةٍ‏}‏ هي قراءةُ الجمهور، وعن الكسائي بالغين المعجمة والراء، أي‏:‏ في غَفْلَةٍ، انتهى‏.‏

والعِزَّةُ هنا‏:‏ المُعَازَّةُ والمُغَالَبَةُ والشِّقَاقُ ونحوُهُ، أيْ‏:‏ هم في شِقٍّ، والحَقُّ في شِقٍّ، وكَمْ للتكثير، وهي خَبَرٌ فِيه مثالٌ ووعيدٌ، وهِي في مَوْضِعِ نَصْبٍ ب ‏{‏أَهْلَكْنَا‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَنَادَواْ‏}‏ معناهُ‏:‏ مُسْتَغِيثين، والمعنى‏:‏ أنهم فَعلوا ذلك بعد المُعَايَنَةِ، فَلَمْ ينْفعهم ذلك؛ ولم يكُنْ في وَقْتِ نَفْعٍ، ‏{‏وَّلاَتَ‏}‏ بمعنى‏:‏ ليس، واسمها مقدَّرٌ عند سِيبَوَيْهِ، تقدِيره‏:‏ وَلاَتَ الحِينُ حِينَ مَنَاصٍ، والمَنَاصُ‏:‏ المَفَرُّ، ناصَ يَنُوصَ‏:‏ إذا فَرَّ وَفَاتَ، قالَ ابن عَبَّاس‏:‏ المعنى‏:‏ ليسَ بِحِينِ نَزْوٍ وَلاَ فِرَارٍ ضُبِطَ القوم، والضميرُ في ‏{‏وَعَجِبُواْ‏}‏ لكفارِ قريشٍ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 8‏]‏

‏{‏وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ‏(‏6‏)‏ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ ‏(‏7‏)‏ أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا وَاْصْبِرُواْ على ءَالِهَتِكُمْ‏}‏ الآية، ‏"‏ رُوِيَ فِي قَصَصِ هذهِ الآيةِ، أنَّ أشْرَافَ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا عِنْدَ مَرَضِ أبي طالبٍ، وقالوا‏:‏ إن مِنَ القبيحِ علينا أن يموتَ أبو طالب، ونُؤْذِيَ محمَّداً بَعْدَهُ، فتقولُ العربُ‏:‏ تركُوهُ مُدَّةَ عَمِّهِ، فَلَمَّا مَاتَ آذَوْهُ، ولكن لِنذهبْ إلى أبي طالب فَيُنْصِفَنَا مِنْهُ ويَرْبِطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ رَبْطاً، فَنَهَضُوا إليه، فقالوا‏:‏ يا أبا طالب‏:‏ إن محمداً يَسُبُّ آلهتَنا، ويُسَفِّهُ آراءنا، ونحنُ لا نُقَارُّهُ على ذلك، ولكن افْصِلْ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ في حياتِكَ بأن يُقِيمَ في منزلهِ يَعْبُدُ ربَّهُ الذي يَزْعُمُ ويدعُ آلهتنا وسَبَّها، ولا يَعْرِضُ لأحَدٍ منا بشيْءٍ من هذا، فبعث أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمَّدُ، إن قومَكَ قَد دَعَوْكَ إلى النَّصَفَةِ، وهِيَ أن تَدَعَهُمْ وتَعْبُدَ رَبَّكَ وَحْدَكَ، فَقال‏:‏ أوَ غَيْرَ ذلكَ يا عَمُّ‏؟‏ قال‏:‏ وما هو‏؟‏ قال‏:‏ يُعْطُونَنِي كَلِمَةً تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وَتُؤَدِّي إلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ بِهَا العَجَمُ، قَالُوا‏:‏ وَمَا هِيَ‏؟‏‏!‏ فَإنَّا نُبَادِرُ إلَيْهَا‏!‏ قَالَ‏:‏ «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ»؛ فَنَفَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَقَالُوا‏:‏ مَا يُرْضِيكَ مِنَّا غَيْرُ هذا‏؟‏ قال‏:‏ «واللَّهِ، لَوْ أَعْطَيْتُمُونِي الأَرْضَ ذَهَبَاً وَمَالاً» ‏"‏ وفي روايةِ ‏"‏ لَوْ جَعَلْتُمُ الشَّمْسَ فِي يَمِينِي والقَمَرَ فِي شِمَالِي مَا أرضى مِنْكُمْ غَيْرُهَا ‏"‏ فَقَامُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ‏:‏ ‏{‏أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ‏}‏، ويُرَدِّدُونَ هذا المعنى، وعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ يقولُ‏:‏ ‏{‏امشوا وَاْصْبِرُواْ على ءَالِهَتِكُمْ‏}‏، فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وانطلق الملأ‏}‏ عبارةٌ عن خروجِهم عَن أبي طالبٍ وانطلاقِهِمْ من ذلكَ الجَمْعِ، هذا قولُ جماعةٍ من المفسِّرين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَنِ امشوا‏}‏ نَقَلَ الإمامُ الفخرُ أَنَّ «أنْ» بمعنى‏:‏ «أي»، انتهى، وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذا لَشَئ يُرَادُ‏}‏ يريدون ظهورَ محمَّدٍ وعلوَّه، أي‏:‏ يُرادُ مِنَّا الانقيادُ لَه، وأنْ نكونَ له أتْبَاعاً، ويريدونَ بِالمِلَّةِ الآخرةِ مِلَّةَ عيسى، قاله ابنُ عبَّاس، وغيره؛ وذلك أنها ملَّةٌ شُهِرَ فيها التثليثُ‏.‏

ثم تَوَعَدَّهُمْ سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ‏}‏ أي‏:‏ لو ذاقُوهُ، لَتَحَقَّقُوا أنَّ هذه الرسالة ‏[‏حقٌّ‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 14‏]‏

‏{‏أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ‏(‏9‏)‏ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ ‏(‏10‏)‏ جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ ‏(‏11‏)‏ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ ‏(‏12‏)‏ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ ‏(‏13‏)‏ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، عبارةُ الثعلبيّ‏:‏ ‏{‏أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ‏}‏ يعني‏:‏ مَفاتيح النبوَّة حتى يُعْطُوا مَنِ اختاروا، نظيرَهَا ‏{‏أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبّكَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 32‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا‏}‏ يعني‏:‏ أنَّ ذلكَ للَّهِ تعالى؛ يَصْطَفِي مَنْ يَشَاءُ ‏{‏فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب‏}‏ فَلْيَصْعَدُوا فِيمَا يُوَصِّلُهُمْ إلى السمواتِ، فليأتوا منها بالوحي إلى مَنْ يختارونَ، وهذا أمْرُ توبيخٍ وتَعْجِيزٍ، انتهى، ونحوه كلامُ * ع‏.‏

ثم وعدَ اللَّهُ نبيَّهُ النَّصْرَ، فقال‏:‏ ‏{‏جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ‏}‏ أي‏:‏ مَغْلُوبٌ ممنوعٌ مِن الصُّعُودِ إلى السماء، ‏{‏مِّن الأحزاب‏}‏ أي‏:‏ من جملة الأحزابِ، قال * ع *‏:‏ وهذا تأويل قَوِيٌّ، وقالت فرقة‏:‏ الإشارة ب ‏{‏هُنَالِكَ‏}‏ إلى حمايةِ الأصْنَامِ وعَضْدِهَا، أي‏:‏ هؤلاءِ القومُ جندٌ مهزومٌ في هذهِ السبيلِ، وقال مجاهد‏:‏ الإشارةُ ب«هنالكَ» إلى يوم بدر، وهي من الأمورِ المُغَيَّبَةِ أُخْبِرَ بها عليه السلام‏.‏

«وما» في قوله‏:‏ ‏{‏جُندٌ مَّا‏}‏ زائدةٌ مؤكِّدةٌ، وفيها تخصيصٌ، وباقي الآية بيِّنٌ‏.‏

وقال أبو حَيَّانَ ‏{‏جُندٌ‏}‏ خَبَرُ مبتدإٍ محذوفٍ، أي‏:‏ هُمْ جُنْدٌ وما زَائِدَة أو صِفَة أُريدَ بها التعظيمُ على سبيل الهُزْءِ بهم أو الاسْتِخْفَافِ؛ لأن الصفةَ تُسْتَعْمَلُ على هذينِ المعنيينِ، و‏{‏هُنَالِكَ‏}‏ ظرفُ مكانٍ يُشَارُ بهِ إلى البَعِيدِ، في مَوْضِعِ صِفَةٍ ل ‏{‏جُندٌ‏}‏، أي‏:‏ كائنٌ هنالك، أو متعلِّقٌ ب ‏{‏مَهْزُومٌ‏}‏، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 19‏]‏

‏{‏وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ ‏(‏15‏)‏ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ‏(‏16‏)‏ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ‏(‏17‏)‏ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ‏(‏18‏)‏ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ‏(‏19‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآءِ‏}‏ أي‏:‏ ينتظرُ، ‏{‏إِلاَّ صَيْحَةً واحدة‏}‏ قال قتادة‏:‏ تَوَعَّدَهُمْ سُبْحَانَهُ بصيحةِ القِيَامَةِ والنفخِ في الصُّور، قَالَ الثَّعْلَبِيُّ‏:‏ وقد رُوِيَ هذا التفسيرُ مرفوعاً، وقالتْ طائِفَةٌ‏:‏ تَوَعَّدَهُمْ اللَّهُ بِصَيْحَةٍ يُهْلَكُونَ بِهَا في الدنيا، ‏{‏مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ‏}‏ قرأ الجمهورُ بفتح الفاءِ، وقَرأ حمزةُ والكسائي «فُوَاق» بِضم الفاء، قال ابن عباس‏:‏ هما بمعنًى، أي‏:‏ ما لَها من انْقِطَاعٍ وَعَوْدَةٍ، بَلْ هِي مُتَّصِلَةٌ حتى تُهْلِكَهُمْ، ومنه‏:‏ فُوَاقُ الحَلْبِ، وهُوَ المُهْلَةُ التي بَيْنَ «الشُّخْبَيْنِ»، وقال ابن زَيْدٍ وغيرُهُ‏:‏ المعنى مُخْتَلِفٌ، فالضَّمُّ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَى فُوَاقِ النَّاقَةِ، والفتحُ بِمَعْنَى الإفَاقَةِ، أيْ‏:‏ لا يُفِيقُونَ فيها كما يُفِيقُ المَرِيضُ، والمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، والْقِطُّ‏:‏ الحَظُّ والنصيبُ، والْقِطُّ أَيْضاً الصَّكُّ والكتابُ من السُّلْطَانِ بِصِلة، ونحوهِ، واختلِف في الْقِطِّ هُنَا، ما أرادوا به‏؟‏ فقال ابن جُبَيْر‏:‏ أرادوا به‏:‏ عَجَّلْ لَنَا نَصِيبَنَا من الخَيْرِ والنَّعيمِ في دُنْيَانا، وقال أبو العالية‏:‏ أرادوا عَجِّل لنا صُحُفَنَا بأيمانِنا؛ وذلك لمَّا سَمِعُوا في القرآن أَنَّ الصُحُفَ تعطى يوم القيامةِ بالأيْمَانِ والشَّمائِل، وقال ابن عباس وغَيره‏:‏ أرادوا ضِدَّ هَذَا من العذابِ ونحوهِ، وهذا نظيرُ قولهم ‏{‏فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السماء‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏ قال * ع *‏:‏ وعلى كل تأويل، فكَلاَمُهُم خَرَجَ عَلى جِهَةِ الاسْتِخْفَافِ والهُزْءِ‏.‏

‏{‏واذكر عَبْدَنَا * دَاوُودَ ذَا الأيد‏}‏ أَي‏:‏ فَتَأَسَّ به ولاَ تَلْتَفِتْ إلى هؤلاءِ، «والأيْدِ» القُوَّةُ في الدين والشرع والصَّدْعُ به، وال ‏{‏أَوَّابٌ‏}‏ الرَّجَّاعُ إلى طَاعةِ اللَّهِ، وقاله مجاهد وابن زيد وفسَّره السُّدِّيُّ‏:‏ بالمُسَبِّحِ، وتسبيحُ الجِبَالِ هنا حقيقةٌ، و‏{‏الإشْرَاق‏}‏‏:‏ ضياءُ الشَّمْسِ وارتفاعُها، وفي هذين الوَقْتَيْنِ كانت صلاَةُ بنِي إسرائيل، قال الثعلبيُّ‏:‏ وليس الإشْرَاقُ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وإنما هو صَفَاؤُها وضوءها، انتهى‏.‏ قال ابن العربي في «أحكامه»‏:‏ قال ‏[‏ابن عباس‏]‏‏:‏ ما كنتُ أعْلَمُ صلاةَ الضحى في القرآن حتى سمعتُ اللَّهَ تعالى يقول‏:‏ ‏{‏يُسَبِّحْنَ بالعشى والإشراق‏}‏ قال ابن العربي‏:‏ أما صلاةُ الضحى فَهِي في هذه الآيةِ نافلةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، ولا ينبغي أنْ تصلى حتى تتبينَ الشمسُ طَالعةً قَدْ أشْرَقَ نُورُهَا، وفي صلاةِ الضحى أحاديثُ أُصُولُهَا ثلاثةٌ‏:‏ الأولُ حديثُ أبي ذَرٍّ وغيرِه عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّه قال‏:‏ ‏"‏ يُصْبِحُ على كُلِّ سلامى مِنِ ابن آدَمَ صَدَقَةٌ؛ تَسْليمُهُ على مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ، وأَمْرُهُ بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، ونَهْيُهُ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وإمَاطَتُهُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وبُضْعُهُ أهْلَهُ صَدَقَةٌ، ويجزئ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَانِ مِنَ الضحى ‏"‏‏.‏ الثَّانِي‏:‏ حديثُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الجُهَنِيِّ عَنْ أبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ مَنْ قَعَدَ في مُصَلاَّهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ، حتى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضحى لاَ يَقُولُ إلاَّ خَيْراً، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وإنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ البَحْرِ ‏"‏‏.‏

الثالثُ‏:‏ حَدِيثُ أُمِّ هانئ أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلى يَوْمَ الفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، انْتَهَى‏.‏

* ت *‏:‏ وَرَوَى أبو عيسى الترمذيُّ وغَيْرُهُ عن أَنَسٍ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنْ صَلَّى الفَجْرَ في جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ تعالى، حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ، كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ تَامَّةٍ ‏"‏، قَالَ الترمذيُّ‏:‏ حديثٌ حَسَنٌ انتهى‏.‏ قال الشَّيْخُ أَبو الحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ في شرحه للبُخَارِيِّ‏:‏ وعن زيدِ بْنِ أسْلَمَ قَال‏:‏ سمعتُ عَبد اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يقولُ لأبي ذَرٍّ‏:‏ أوْصِنِي يَا عَمُّ، قَالَ‏:‏ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا سَأَلْتَنِي؛ فَقَالَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ صَلَّى الضحى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافِلِينَ، وَمَنْ صلى أَرْبَعَاً، كُتِبَ مِنَ العَابِدِينَ، ومَنْ صلى ستًّاً، لَمْ يَلْحَقْهُ ذَلِكَ اليَوْمَ ذَنْبٌ، وَمَنْ صلى ثَمانياً، كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، ومَنْ صلى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بنى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ ‏"‏ انتهى‏.‏

‏{‏والطير‏}‏‏:‏ عَطْفٌ عَلَى الْجِبَالِ، أي‏:‏ وسَخَّرْنَا الطيرَ، و‏{‏مَحْشُورَةً‏}‏ معناهُ مجموعةً، والضميرُ في «لهُ» قَالَتْ فِرْقَةٌ‏:‏ هو عائدٌ على اللَّهِ عزَّ وجلَّ و‏{‏كُلٌّ‏}‏ على هذا، يُرَادُ بهِ‏:‏ دَاوُدُ والجبالُ والطيرُ، وقالت فرقة‏:‏ هو عائدٌ على داودَ ف ‏{‏كُلٌّ‏}‏ على هذا يُرَادُ بهِ الجبالُ والطيرُ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 22‏]‏

‏{‏وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ‏(‏20‏)‏ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ‏(‏21‏)‏ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ‏(‏22‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ‏}‏‏:‏ عبارةٌ عامَّةٌ لجميعِ مَا وَهَبَه اللَّه تَعالى من قوَّةٍ وجندٍ ونعمةٍ، ‏{‏وَفَصْلَ الخطاب‏}‏، قال ابن عباس وغيره‏:‏ هو فَصْلُ القَضَاءِ بَيْنَ الناسِ بالحقِ وإصابتُه وفَهْمُه، وقال الشعبي‏:‏ أرادَ قَوْلَ «أمَّا بَعْدُ» فإنه أَوَّلُ مَنْ قَالَها، قال * ع *‏:‏‏:‏ والذَّي يُعْطِيهِ اللفظُ أنَّه آتاه فَصْلَ الخطابِ، بمعنى أنَّه إذا خَاطَبَ في نَازِلةٍ، فَصَلَ المعنى وأوْضَحَهُ، لا يأْخذُهُ في ذلك حَصَرٌ وَلا ضَعْف‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الخصم‏}‏ الآية مخاطبةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، واسْتُفْتِحَتْ بالاسْتِفْهَام؛ تَعْجِيباً مِنَ القصَّةِ وتفخيماً لها، والخصمُ يُوصَفُ بهِ الواحِدُ والاثْنَانِ والجَمْعِ، و‏{‏تَسَوَّرُواْ‏}‏ معناه‏:‏ عَلَوْا سُورَهُ، وهو جَمْعُ «سُورَةٍ» وهي القطعةُ من البناء، وَتَحْتَمِلُ هذه الآيةُ أن يكونَ المُتَسَوِّرُ اثْنَانِ فَقَطْ، فَعَبَّرَ عَنْهُما بلَفْظِ الجَمْعِ، ويحتملُ أن يكونَ معَ كلِّ واحدٍ منَ الخَصْمَيْنِ جَمَاعَةٌ، و‏{‏المحراب‏}‏ المَوْضِعُ الأرْفَعُ مِنَ القَصْرِ أو المَسْجِدِ، وهو موضع التعبُّد، وإنما فَزِعَ منهم مِنْ حَيْثُ دَخَلُوا من غير الباب، ودون استئذان، ولا خلافَ بَيْن أهلِ التأويلِ أنَّ هذا الخَصْمَ إنما كانوا ملائكةً بَعَثَهُمْ اللَّهُ ضَرْبَ مَثَلٍ لداودَ، فاختصموا إليه في نازلةٍ قَدْ وَقَعَ هُو في نَحْوِهَا، فأَفْتَاهُمْ بِفُتْيَا هِي وَاقِعَةٌ عليه في نازلته، ولَمَّا شَعَرَ وَفَهِمَ المُرَادَ، خَرَّ رَاكِعاً وأَنَابَ، واسْتَغْفَرَ، وأمَّا نَازِلَتُهُ الَّتي وَقَع فِيها، ففيها للقُصَّاصِ تَطْوِيلٌ، فَلَمْ نَرَ سَوْقَ جَمِيعِ ذلكَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ‏.‏

ورُوِيَ فِي ذلكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ما معناه؛ أن دَاوُدَ كَانَ في مِحْرَابِهِ يَتَعَبَّدُ؛ إذْ دَخَلَ عَلَيْهِ طَائِرٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، فَمَدَّ يَدَهُ إليْه؛ ليأخُذَهُ، فَزَالَ مُطْعِماً لَه مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ، حَتَّى اطَّلَعَ عَلَى امْرَأَةٍ لَهَا مَنْظَرٌ وَجَمَالٌ، فَخَطَرَ فِي نَفْسِهِ أنْ لَوْ كَانَتْ مِنْ نِسَائِهِ، وَسَأَلَ عَنْهَا، فَأُخْبِرَ أَنَّهَا امْرَأَةُ أُورِيَّا، وَكَانَ في الجِهَادِ فَبَلَغَهُ أنَّه اسْتُشْهِدَ فَخَطَبَ المَرْأَةَ، وَتَزَوَّجَهَا، فَكَانَتْ أُمَّ سُلَيْمَانَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، فَبَعَثَ اللَّهُ الخَصْمَ لِيُفْتِيَ، قَالَتْ فرقةٌ من العلماء‏:‏ وإنما وَقَعَتْ المعَاتَبَةُ على هَمِّهِ، وَلَمْ يَقَعْ مِنْه شَيْءٌ سِوَى الهَمِّ، وكانَ لِدَاوُدَ فِيما رُوِيَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأَةً، وَفي كُتُبِ بَنِي إسرائيل في هذه القصة صُوَرٌ لاَ تَلِيقُ، وقد قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ‏:‏ مَنْ حَدَّثَ بِما قَالَ هؤلاءِ القُصَّاصُ في أَمْرِ دَاوُدَ، جَلَدْتُهُ حَدَّيْنِ لما ارتكب مِنْ حُرْمَةِ مَنْ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏خَصْمَانِ‏}‏ تقديرُه‏:‏ نَحْنُ خصمانِ، و‏{‏بغى‏}‏ معناه‏:‏ اعتدى واسْتَطَالَ، ‏{‏وَلاَ تُشْطِطْ‏}‏ معناه‏:‏ وَلاَ تَتَعَدَّ في حُكْمِكَ، و‏{‏سَوَاءِ الصراط‏}‏ معناه‏:‏ وَسَطُهُ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 25‏]‏

‏{‏إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ‏(‏23‏)‏ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ‏(‏24‏)‏ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ ‏(‏25‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا أَخِى‏}‏ ‏[‏إعرابُ «أخي»‏]‏ عَطْفُ بَيَانٍ، وذلك أن مَا جرى من هذه الأشياء صِفةً كالخَلْقِ والخُلُقِ وسَائِر الأوْصَافِ، فَإنَّه نَعْتٌ مَحْضٌ، والعاملُ فيه هو العاملُ في الموصوفِ، وما كان مِنْهَا مِمَّا لَيْسَ يُوصَفُ بهِ بَتَّةً، فهو بَدَلٌ والعَامِلُ فيه مُكَرَّرٌ أي‏:‏ تقديراً يقال‏:‏ جَاءَنِي أخوك زيدٌ، فالتقديرُ‏:‏ جَاءَنِي أَخُوكَ، جَاءَنِي زَيْدٌ، ومَا كَان مِنْها مِمَّا لاَ يُوصَفُ بهِ، واحتيج إلى أنْ يُبَيَّنَ بِه، وَيَجْرِي مَجْرَى الصِّفَةِ، فَهُوَ عَطْفُ بَيَانٍ‏.‏

«والنعجة» في هذه الآيةِ عَبَّرَ بِهَا عَنِ المَرْأَةِ، والنعجةُ في كلام العرب‏:‏ تقعُ على أنثى بَقَرِ الوَحْشِ، وعلى أُنْثَى الضَّأْنِ، وتُعَبّرُ العَرَبُ بِهَا عن المَرْأَةِ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَكْفِلْنِيهَا‏}‏ أي‏:‏ رُدَّهَا في كَفَالَتِي، وقال ابنُ كَيْسَانَ‏:‏ المعنى‏:‏ اجعلها كِفْلِي، أي‏:‏ نَصِيبي، ‏{‏وَعَزَّنِى‏}‏ معناه‏:‏ غَلَبَنِي، ومنه قول العربِ‏:‏ «مَنْ عَزَّ بَزَّ» أي‏:‏ مَنْ غَلَبَ، سَلَبَ، ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏فِى الخطاب‏}‏ أي‏:‏ كان أوْجَهَ مِنِّي، فإذَا خَاطَبْتُهُ، كانَ كلامُه أقوى من كلامي، وقُوَّتُهُ أعْظَمَ مِنْ قُوَّتِي‏.‏

ويروى أنَّه لَمَّا قَالَ‏:‏ ‏{‏لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ‏}‏، تَبَسّما عند ذلكَ، وَذَهَبَا، وَلَمْ يَرَهُما لحِينه، فَشَعَرَ حينئذ للأمْرِ، ويروى أنَّهُمَا ذَهَبَا نَحْوَ السَّمَاءِ بِمَرْأًى مِنْه‏.‏

و ‏{‏الخلطآء‏}‏‏:‏ الشُّرَكَاءِ في الأمْلاَكِ، والأُمُورِ، وهذا القَوْلُ مِنْ دَاوُدَ وَعْظٌ لِقَاعِدَةِ حَقٍّ، ليُحَذِّرَ الخَصْمَ مِنَ الوُقُوعِ في خلافِ الحقِّ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ‏}‏‏:‏ قال أبو حيان‏:‏ ‏{‏وَقَلِيلٌ‏}‏ خبرٌ مقدَّم، و«مَا» زائِدةٌ تُفِيدُ مَعْنَى التَّعْظِيمِ، انتهى‏.‏

وَرَوَى ابْنُ المبارَكِ في «رقائقه» بسندِه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ أشَدُّ الأعْمَالِ ذِكْرُ اللَّهِ على كُلِّ حَالٍ، والإنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَمُوَاسَاةُ الأخِ في المالِ ‏"‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فتناه‏}‏ معناه‏:‏ شَعَر لِلأَمْرِ وَعَلِمَهُ، و‏{‏فتناه‏}‏ أي‏:‏ ابْتَلَيْنَاهُ وامْتَحَنَّاهُ، وقال البخاريُّ‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏فتناه‏}‏ أي‏:‏ اختَبَرْنَاهُ، وأسْنَد البخاريُّ عن مجاهدٍ قال‏:‏ سألتُ ابنَ عباسٍ عَنْ سَجْدَةِ «صا» أين تَسْجُدُ، فَقَالَ‏:‏ أَوَ مَا تَقْرَأَ ‏{‏وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وسليمان‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 84‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 90‏]‏ فَكَانَ داوُد مِمَّن أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أنْ يَقْتَدِيَ بهِ، فَسَجَدَهَا دَاوُدُ؛ فَسَجَدَهَا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، انتهى، فتأمَّلَهُ وما فيه مَنَ الْفِقْهِ، وقَرأ أبو عمرٍو في رِوَاية علي بن نَصْرٍ‏:‏ «فَتَنَاهُ» بتخفيفِ التاء والنون على إسنادِ الفعلِ للخَصْمَيْنِ، أي‏:‏ امتحناه عَنْ أَمْرِنَا، قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ‏:‏ «رأيتُنِي في النوم أكتُبُ سورَة «صا» فَلَما بَلَغْتُ قَوْلَهُ‏:‏ ‏{‏وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ‏}‏ سَجَدَ القلمُ، ورَأيتُنِي في مَنامٍ آخَرَ، وشَجَرَةٌ تَقْرَأُ سُورَةَ «صا» فلما بَلَغَتْ هَذَا، سَجَدَتْ، وَقَالَتْ‏:‏ اللَّهُمَّ، اكْتُبْ لِي بِهَا أجْراً، وَحُطَّ عَنِّي بِهَا وِزْراً، وارزقني بِهَا شُكْراً، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَها مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ وَسَجَدْتَ أنْتَ يَا أَبا سَعِيد‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ لاَ، قال‏:‏ أَنْتَ كُنْتَ أَحَقَّ بالسَّجْدَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، ثم تَلاَ نبيُّ اللَّهِ الآياتِ حتى بَلَغَ‏:‏ ‏{‏وَأَنَابَ‏}‏، فَسَجَدَ، وقَالَ كَمَا قَالَتِ الشَّجَرَةُ»‏.‏

‏{‏وَأَنَابَ‏}‏ مَعْنَاهُ‏:‏ رَجَعَ، * ت *‏:‏ وحديثُ سجودِ الشجرةِ رواهُ الترمذيُّ وابن ماجَه والحاكمُ وابنُ حِبَّان في «صحيحَيْهما»، وقال الحاكم‏:‏ هو منْ شَرْطِ الصِّحَّةِ، انتهى من «السلاح»‏.‏

والزُّلْفَى‏:‏ القُرْبَةُ والمكانةُ الرفيعةُ، والمآبُ‏:‏ المَرْجِعُ في الآخِرَةِ من آب يَئُوبُ‏:‏ إذا رَجَعَ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 28‏]‏

‏{‏يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ‏(‏26‏)‏ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ‏(‏27‏)‏ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ‏(‏28‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِى الارض‏}‏ تقديرُ الكلامِ‏:‏ وقُلْنَا لَهُ يا داوُدُ، قال * ع *‏:‏ ولاَ يُقَالُ خليفةُ اللَّهِ إلا لرسولِه، وأما الخلفاءُ، فكل واحدٍ خَليفَةٌ للذي قَبْلَهُ، ومَا يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِنْ تَسْمِيَة أحدهِم خليفةَ اللَّه فذلك تجوُّزٌ وَغُلُوٌّ؛ أَلا ترى أن الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَرَزُوا هذا المعنى، فقالوا لأبي بَكْرٍ‏:‏ خليفةُ رسولِ اللَّهِ، وبهذا كَانَ يدعى مدةَ خلافَتِه، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ؛ قالُوا‏:‏ يا خليفةَ خليفةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَطالَ الأمْرُ، وَرأَوْا أنَّهُ في المُسْتَقْبَلِ سَيَطُولُ أكْثَرَ؛ فَدَعَوْهُ أَمِيرَ المُؤمنينَ، وقُصِرَ هَذا الاسْمُ عَلى الخُلَفَاءِ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَيُضِلَّكَ‏}‏ قالَ أبو حيان‏:‏ منصوبٌ في جوابِ النَّهْي، ‏(‏ص‏)‏ أبو البقاءِ وقيل‏:‏ مجزومٌ عَطْفاً عَلَى النَّهْيِ وفُتِحَتِ ‏[‏اللامُ‏]‏ لالْتِقَاءِ الساكنين، انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو الألباب‏}‏‏:‏ اعْتِرَاضٌ فصيحٌ بين الكلامينِ من أمرِ دَاوُدَ وسليمانَ، وهو خطابٌ لنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وعِظَةٌ لأمَّتِه، و‏{‏نَسُواْ‏}‏ في هذه الآية مِعْنَاهُ تَرَكُوا، ثم وقفَ تَعالى عَلى الفَرْقِ عندَه بيْنَ المؤمِنينَ العامِلينَ بالصَّالِحَاتِ وبَيْنِ المفْسِدِينَ الكَفَرَةِ وبَيْنَ المتَّقِينَ والفُجَّارِ، وفي هَذَا التوقيفِ حَضٌّ عَلَى الإيمانِ والتقوى، وتَرْغِيبٌ في عَمَل الصالحات، قَال ابنُ العَرَبِيِّ‏:‏ نَفَى اللَّهُ تَعَالَى المساواةَ بَيْنَ المؤمِنينَ والكافِرِينَ، وبَيْنَ المتقينَ والفُجَّار؛ فلا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمْ في الآخرةِ، كَما قَالهُ المفَسِّرون ولاَ في الدُّنْيَا أيْضاً؛ لأنَّ المؤمنينَ المتقينَ معصومُونَ دَماً ومالاً وعرْضاً، والمُفْسِدُونَ في الأرض والفُجَّارُ مُبَاحُو الدَّمِ والمالِ والعِرْضِ، فَلاَ وَجْهَ لِتَخْصِيصِ المفسِّرِينَ بِذَلِكَ في الآخرة دون الدُّنْيَا، انتهى، من «الأحكام»؛ وهذا كما قال‏:‏ وقوله تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏سَوَاءً محياهم ومماتهم‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 21‏]‏ يشهد له، وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 33‏]‏

‏{‏كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ‏(‏29‏)‏ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ‏(‏30‏)‏ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ‏(‏31‏)‏ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ‏(‏32‏)‏ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ‏(‏33‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كتاب أنزلناه إِلَيْكَ مبارك لّيَدَّبَّرُواْ ءاياته‏}‏ قال الغَزَّالِيُّ في «الإحْيَاءِ»‏:‏ اعْلَمْ أن القرآن مِنْ أَوَّلِه إلى آخِرِه تحذيرٌ وتخويفٌ لاَ يَتَفَكَّرُ فيه مُتَفَكِّرٌ إلا وَيَطُولُ حُزْنُهُ، وَيَعْظُمُ خَوْفُه إنْ كَانَ مُؤْمِناً بِمَا فِيه وَتَرى النَّاسَ يَهْذُّونَهُ هَذًّا، يُخْرِجُونَ الحُروفَ مِنْ مُخَارِجِها، ويَتَنَاظَرُونَ على خَفْضِها ورَفْعِها وَنَصْبِها، لاَ يَهُمُّهُمْ الالتِفَاتُ إلى مَعانِيها والعملِ بما فِيها، وَهَلْ في العِلم غُرُورٌ يَزِيدُ على هذا، انتهى من «كِتَابِ ذَمِّ الغُرُور»‏.‏

واختلفَ المتأولونَ في قَصَصِ هذهِ الخيل المَعْرُوضَةِ عَلى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السلامُ فقال الجُمْهُورُ‏:‏ إنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السلام عُرِضَتْ عليه آلافٌ مِنَ الخَيْلِ تَرَكَهَا أَبُوهُ، فأُجْرِيَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عِشَاءً، فَتَشَاغَلَ بجريها وَمَحَبَّتِهَا، حتى فَاتَهُ وَقْتُ صَلاَةِ العَشِيِّ، فَأَسِفَ لِذَلِكَ؛ وَقَالَ‏:‏ رُدُّوا عَلَيَّ الخَيْلَ؛ فَطَفِقَ يَمْسَحُ سُوقَها وأعْنَاقَها بالسَّيْفِ، قَالَ الثَّعْلَبيُّ وغيره، وجَعَل يَنْحَرُهَا تَقَرُّباً إلى اللَّهِ تعالى؛ حيثُ اشْتَغَل بِهَا عَنْ طَاعَتِهِ، وكان ذلكَ مُبَاحاً لَهُمْ كما أُبِيحَ لَنا بهيمةُ الأنْعَامِ، قال * ع*‏:‏ فَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تعالى أَبْدَلَهُ مِنْهَا أَسْرَعَ منها، وهي الرِّيحُ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ و‏{‏الخير‏}‏ هنا هي الخيل؛ وكذلكَ قَرأَها ابنُ مَسْعُود‏:‏ «إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْلِ» انتهى، و«الصَّافِنُ»‏:‏ الذي يَرْفَعُ إحدى يديه؛ وقَدْ يَفْعَلُ ذلكَ برِجْلِهِ؛ وهي علامةُ الفَرَاهِيَة؛ وأَنْشَدَ الزَّجَّاجُ‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

أَلِفَ الصُّفُونَ فَمَا يَزَالُ كَأَنَّه *** مِمَّا يَقُومُ عَلَى الثَّلاَثِ كَسِيرَا

قالَ بَعْضُ العلَماء‏:‏ ‏{‏الخير‏}‏ هنَا أرادَ به الخَيْلَ، والعَرَبُ تُسَمي الخَيْلَ، الخَيْرَ، وفي مِصْحَفِ ابْن مَسْعُودٍ‏:‏ «حُبَّ الخَيْلِ» باللامِ‏.‏

والضميرُ في ‏{‏تَوَارَتْ‏}‏ للشمسِ، وإن كَانَ لَمْ يَتَقَدَّم لَهَا ذِكْرٌ‏:‏ لأنَّ المعنى يَقْتَضِيهَا، وأيضاً فَذِكْرُ العَشِيِّ يَتَضَمَّنُهَا، وقالَ بعضُ المفسرينَ ‏{‏حتى تَوَارَتْ بالحجاب‏}‏، أَي‏:‏ الخيلُ دَخَلَتْ إصْطَبْلاَتِهَا، وقال ابنُ عبَّاسٍ والزُّهْرِيُّ‏:‏ مَسْحُهُ بالسُّوقِ والأَعْنَاقِ لَمْ يَكُنْ بالسَّيْفِ؛ بل بيدهِ تَكْرِيماً لَها؛ ورَجَّحَهُ الطبريُّ، وفي البخاري‏:‏ ‏{‏فَطَفِقَ مَسْحاً‏}‏ يمسحُ أعْرَافَ الخَيلِ وعَرَاقِيبَهَا؛ انتهى، وعن بعضِ العلماءِ أَنَّ هذهِ القصةَ لَمْ يَكُنْ فيها فَوْتُ صلاةٍ، وقالوا‏:‏ عُرِضَ على سليمانَ الخيلُ وهو في الصلاةِ، فأشَارَ إليهم؛ أي‏:‏ إني في صلاةٍ، فأزَالُوهَا عَنْهُ حتى أَدْخَلُوها في الإصْطَبْلاَتِ، فقالَ هو، لَمَّا فَرَغَ من صلاته‏:‏ إني أَحْبَبْتُ حُبَّ الخيرِ، أي‏:‏ الذي عِنْدَ اللَّهِ في الآخِرةِ؛ بسببِ ذِكْرِ ربي، كَأَنه يقول‏:‏ فَشَغَلَنِي ذلكَ عَنْ رُؤْيَةِ الخيلِ، حتى أُدْخِلَتْ إصْطَبْلاَتِهَا، رُدُّوهَا عَليّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْرَافَهَا وسُوقَهَا، تَكْرمةً لها، أي‏:‏ لأَنَّها معدَّةٌ للجهَادِ، وهذا هو الراجحُ عند الفخر، قال‏:‏ ولو كانَ معنى مَسْحِ السُّوقِ والأعناقِ قَطْعَهَا لَكَانَ معنى قوله‏:‏ ‏{‏وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏ قطعَهَا * ت *‏:‏ وهَذَا لا يلزمُ للقرينَةِ في الموضعين، اه‏.‏ قال أبو حَيَّان‏:‏ و‏{‏حُبَّ الخير‏}‏ قال الفراء‏:‏ مفعولٌ بهِ، ‏{‏أَحْبَبْتُ‏}‏ مُضَمَّنٌ معنى آثَرْتُ، وقيلَ‏:‏ منصوبٌ على المصدرِ التَّشْبِيهِي، أي‏:‏ حبًّا مِثْلَ حُبِّ الخير، انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏عَن ذِكْرِ رَبِّى‏}‏ «عن» على كُلِّ تَأويلٍ هنا للمُجَاوَزَةِ من شيءٍ إلى شَيْءٍ، وَتَدَبَّرْهُ فإنه مُطَّرِدٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 35‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ‏(‏34‏)‏ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ‏(‏35‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان‏}‏ الآية، * ت *‏:‏ اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أن الناسَ قَدْ أَكْثَرُوا في قَصَصِ هذهِ الآيةِ بما لاَ يُوقَفُ على صِحَّتِه، وحكى الثعلبي في بعض الروايات؛ أنَّ سليمانَ عليه السلام لَما فُتِنَ، سَقَطَ الخَاتَمُ مِنْ يَدِه، وَكَانَ فِيه مُلْكُهُ، فأعاده إلى يده، فَسَقَطَ؛ وأَيْقَنَ بالفتنة، وأَنَّ آصِف بْنَ بَرْخِيَّا قال له‏:‏ يا نبيَّ اللَّهِ، إنَّكَ مَفْتُونٌ؛ ولذلكَ لاَ يَتَمَاسَكُ الخَاتَمُ فِي يَدِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْماً؛ فَفِرَّ إلى اللَّهِ تعالى تَائِباً مِنْ ذَنْبِكَ، وَأَنَا أَقُومُ مَقَامَكَ في عَالَمِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى إلى أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ تعالى عَلَيْكَ، فَفَرَّ سُلَيْمَانُ هَارِباً إلى رَبِّهِ مُنْفَرِداً لِعِبَادَتِهِ، وأَخَذَ آصِفُ الخَاتَمَ، فَوَضَعَهُ في يدِه، فَثَبَتَ، وقيلَ‏:‏ إن الجَسَدَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً‏}‏ هُو آصِفُ كَاتِبُ سُلَيْمَانَ، وهو الذي عندَه عِلْمٌ مِن الكتَابِ، وأقام آصِفُ في ملكِ سليمانَ وعيالِهِ يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ الحسَنةِ، ويَعْمَلُ بِعَمَلِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يوماً إلى أَنْ رَجَعَ سليمانُ إلى منزله تائِباً إلى اللَّه تعالى، ورَدَّ اللَّه تعالى عليه مُلْكَهُ، فأَقَامَ آصِفُ عن مجلسهِ، وجَلَسَ سليمانُ على كُرْسِيِّهِ، وأعادَ الخاتَمَ، وقالَ سَعِيدُ بن المسيِِّب‏:‏ إن سليمانَ بنَ دَاوُدَ عليهمَا السلامُ احتجب عنِ الناسِ ثلاثةَ أَيَّامٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ‏:‏ أَنْ يا سُلَيْمَانُ، احتجبت عنِ الناسِ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ، فَلَمْ تَنْظُرْ في أمُورِ عِبَادِي، ولم تُنْصِفْ مَظْلُوماً مِنْ ظَالِمٍ، وذكر حديثَ الخاتم كما تقدَّم، انتهى، وهذَا الذي نقلناه أشْبَهُ ما ذُكِرَ، وأَقْرَبُ إلى الصَّوَابِ؛ واللَّه أعلم، وقال عِيَاضٌ‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان‏}‏ معناه‏:‏ ابتَلَيْنَاهُ، وابتلاؤه‏:‏ هُو مَا حُكِي في الصحيحِ أنه قال‏:‏ «لأَطُوفَنَّ الليلةَ على مِائَةِ امرأة كُلُّهُنَّ يَأْتِينَ بِفَارِسٍ يُجِاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ‏:‏ «إنْ شَاءَ اللَّهُ» تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلا امرأةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ»، الحديث، قال أصحابُ المعانِي‏:‏ والشِّقُّ هو الجسدُ الذي أُلْقِيَ على كرسيه حين عُرِضَ عليه؛ وهي كانتْ عقوبتُهُ ومحنته، وقيل‏:‏ بَلْ مَاتَ، وألْقِيَ على كُرْسِيِّهِ مَيِّتاً، وأما عَدَمُ استثْنَائِه، فأحْسَنُ الأجوبةِ عنه، ما رُوِيَ في الحديثِ الصحيح أَنَّهُ نَسِيَ أَنْ يَقُولَ‏:‏ «إنْ شَاءَ اللَّهُ»، ولاَ يَصِحُّ مَا نَقَلَهُ الإخباريُون من تَشَبُّه الشيطانِ به وتسَلُّطِهِ على مُلْكِهِ، وتصرُّفِه في أمَّتِه؛ لأن الشَيَاطِينَ لاَ يُسَلَّطُونَ على مِثْلِ هذا، وقد عُصِمَ الأنبياءُ من مثله، انتهى، * ت *‏:‏ قالَ ابن العربي‏:‏ ‏{‏وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً‏}‏ يَعني جسدَه لا أجْسَادَ الشَّيَاطينِ؛ كما يقولُه الضعفاءُ، انتهى من «كتاب تفسير الأفعال» له، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامَه»‏:‏ وما ذكره بعضُ المفسِّرينَ مِنْ أن الشيطان أخذَ خاتَمَهُ، وجَلَسَ مجلسَه، وحَكمَ الخَلْقَ على لسانِه قولٌ باطلٌ قَطْعاً؛ لأن الشياطينَ لا يَتَصَوَّرُونَ بِصُوَرِ الأَنْبِيَاءِ؛ ولا يُمَكَّنُونَ من ذلك؛ حتى يظنَّ الناسُ أنَّهم مع نبيِّهم في حَقٍّ، وهم مَعَ الشياطينِ في بَاطِلٍ؛ ولو شاءَ ربُّكَ لوَهَبَ من المعرفةِ ‏(‏والدِّينِ‏)‏ لمنْ قَالَ هذا القولَ ما يَزَعُهُ عن ذِكْرِهِ، ويَمْنَعُهُ مِن أَنْ يَسْطُرَهُ في دِيوَان من بعده، انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ‏}‏ الآية، قال * ع *‏:‏ من المقطوعِ به أَنَّ سُلَيْمَانَ عليه السلامُ إنما قَصَدَ بذلكَ قَصْداً بِرًّا؛ لأن للإنسان أن يرغبَ من فضلِ اللَّهِ فيما لا يَنَالهُ أحدٌ؛ لا سيما بِحَسَبِ المَكَانَةِ والنبوَّةِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 48‏]‏

‏{‏فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ‏(‏36‏)‏ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ‏(‏37‏)‏ وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ‏(‏38‏)‏ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ‏(‏39‏)‏ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ ‏(‏40‏)‏ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ‏(‏41‏)‏ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ‏(‏42‏)‏ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ‏(‏43‏)‏ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ‏(‏44‏)‏ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ‏(‏45‏)‏ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ‏(‏46‏)‏ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ‏(‏47‏)‏ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ ‏(‏48‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، كَانَ لسليمانَ كُرْسِيٌّ فيه جنودُهُ، وتأتي عليه الريحُ الإعصارُ، فَتَنْقُلُهُ من الأرضِ حتى يَحْصُلَ في الهواء، ثم تتولاَّهُ الرُّخَاءُ؛ وهي اللَّيِّنَةُ القويَّةُ لا تَأْتِي فيها دُفْعٌ مُفْرِطَةٌ فَتَحْمِلُهُ؛ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ، ‏{‏حَيْثُ أَصَابَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ حيثُ أراد؛ قاله وهْبٌ وغيره، قال * ع *‏:‏ وَيُشْبِهُ أنَّ ‏[‏أَصَابَ‏]‏ معدى «صَابَ يَصُوبُ»، أي‏:‏ حيث وَجَّه جنودَه، وقال الزَّجَّاج‏:‏ معناه‏:‏ قصدَ، قلت‏:‏ وعليه اقْتَصَرَ أبو حيَّان؛ فإنه قال‏:‏ أصاب‏:‏ أي قَصَدَ؛ وأنْشَد الثعلبيُّ‏:‏ ‏[‏المتقارب‏]‏

أَصَابَ الكَلاَمَ فَلَمْ يَسْتَطِع *** فَأَخْطَا الجواب لَدَى المَفْصِلِ

انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏كُلَّ بَنَّاءٍ‏}‏ بَدَلٌ من ‏{‏الشياطين‏}‏ و‏{‏مُقْرَّنِينَ‏}‏ معناه‏:‏ مُوثَقِينَ؛ قد قُرِنَ بعضُهم ببعضٍ، و‏{‏الأصفاد‏}‏ القيودُ والأغْلاَلُ، قال الحَسَنُ‏:‏ والإشارةُ بقوله‏:‏ ‏{‏هذا عَطَاؤُنَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، إلى جميع ما أعطاهُ اللَّه سبحانه مِنَ الملكِ؛ وأمرَه بأن يَمُنَّ عَلى من يشاءُ ويُمْسِكُ عَمَّنْ يشاء، فكأنه وَقَفَهُ على قَدْرِ النِّعمة، ثم أباح له التصرُّفَ فيه بمشيئته؛ وهذا أصح الأقوال وأجمعها لتفسير الآية، وتقدَّمت قصة أَيُّوبَ في سورة الأنبياء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَنِّى مَسَّنِىَ الشيطان بِنُصْبٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، النُّصْبُ‏:‏ المَشَقَّةُ، فيحتمل أن يشيرَ إلى مسّه حين سلَّطَهُ اللَّه على إهلاكِ مالِه وولدِه وجِسْمِه؛ حَسْبَما رُوِيَ في ذلك، وقِيلَ‏:‏ أشار إلى مسِّه إياه في تعرُّضِه لأَهْلِه؛ وطلبهِ منْهَا أنْ تُشْرِكَ باللَّه؛ فكأَنَّ أَيُّوبَ تشكى هذا الفَصْلَ، وكان عليه أشدَّ مِن مَرَضه، وهنا في الآية محذوفٌ تقديرُه‏:‏ فاسْتَجَابَ له وقَال‏:‏ ‏{‏اركض بِرِجْلِكَ‏}‏ فَرُوِيَ أَن أيوب رَكَضَ الأرض فَنَبَعَتْ له عينُ ماءٍ صافيةٌ باردةٌ؛ فشرِبَ منها، فذهَبَ كُلُّ مَرَضٍ في دَاخِلِ جَسَدهِ، ثم اغْتَسَلَ فذهبَ ما كانَ في ظاهِر بَدَنِه، ورُوِيَ أن اللَّه تعالى وَهَبَ له أهلَه ومالَه في الدنيا، ورَدَّ من ماتَ منهم، وما هلكَ من ماشيته وحالِه، ثم باركَ له في جميعِ ذلك، ورُوِيَ أن هذا كلَّه وُعِدَ به في الآخِرَة، والأول أكْثَرُ في قول المفسِّرين‏.‏

* ت *‏:‏ وعن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ، إذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنُ‏:‏ اللَّهُمَّ، إني عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسم هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوِ استأثرت بهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إلاَّ أذْهَبَ اللَّهُ غَمَّه وَأبدَلَه مكَانَ حُزْنِهِ فَرَحَاً، قَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ‏:‏ يَنْبَغي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ ‏"‏ قال صاحب «السِّلاَح»‏:‏ رواه الحاكم في «المُسْتَدْرَكِ»، وابن حِبَّان في «صحيحه»‏.‏

* ت *‏:‏ وروينَاهُ من طريقِ النوويِّ عنِ ابن السُّنِّيِّ بسندهِ عَنْ أبي موسى الأشْعَرِيِّ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه‏:‏ ‏"‏ أنا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابنُ أَمَتِكَ في قَبْضَتِكَ ‏"‏، وفيه‏:‏ ‏"‏ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ‏:‏ إنَّ المَغْبُونَ لَمَنْ غُبِنَ هَؤُلاَءِ الكلماتِ، فَقَالَ‏:‏ أَجَلْ، فَقُولُوهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ؛ مَنْ قَالَهُنَّ، التماس مَا فِيهِنَّ أَذْهَبَ اللَّهُ تعالى حُزْنَهُ وَأَطَالَ فَرَحَه ‏"‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وذكرى‏}‏ معناه‏:‏ موعِظَةٌ وتذكرةٌ يَعْتَبِرُ بها أُولُو العقولِ، وَيَتَأَسَّوْنَ بِصَبْرِهِ في الشدائدِ، ولا يَيْئَسُونَ من رحمة اللَّه على حال‏.‏

ورُوِي أن أيُّوبَ عليه السلام كانت زوجَتُهُ مدَّةَ مَرَضِه تَخْتَلِفُ إلَيْه فيتلقَّاها الشيطانُ في صورة طَبِيبٍ، ومرةً في هيئة نَاصِح؛ وعلى غير ذلك، فيقول لها‏:‏ لو سَجَدَ هذَا المريضُ للصَّنَمِ الفُلاَنِيِّ لَبَرِئ، لَوْ ذَبَحَ عَنَاقاً للصَّنَمِ الفُلاَنِيِّ لَبِرئ، ويَعْرِضُ عليها وجوهاً من الكفر، فكانَتْ هي ربَّما عرضت شَيْئاً من ذلك على أيوب، فيقولُ لها‏:‏ لقيتِ عَدُوَّ اللَّهِ في طريقك، فلمَّا أغْضَبَتْهُ بهذا ونحوِهِ؛ حلَفَ عليها لَئِن برئ من مرضِه ليضربنَّها مائةَ سَوْطٍ، فلما بَرِئ؛ أَمَرَه اللَّه تعالى أن يأخُذَ ضِغْثاً فيه مائةُ قَضِيبٍ، «والضغثُ»‏:‏ القبضةُ الكبيرةُ من القضبانِ ونحوِها مَنَ الشجرِ الرَّطْبِ؛ قاله الضَّحَّاكُ وأهلُ اللغة، فيضربُ بهِ ضربةً واحدةً، فَتَبَرُّ يمينُهُ؛ وهذا حكمٌ قد وَرَدَ في شرعِنا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ‏[‏مِثلُه في حدِّ الزنا لرجُلِ زَمِنٍ، فأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏]‏ بِعِذْقِ نَخْلَةٍ فِيهِ شَمَارِيخُ مِائَةٌ أو نَحْوُهَا، فَضُرِبَ ضَرْبَةً، ذكر الحديثَ أبو داود، وقال بهذا بعضُ فقهاء الأمة، وَلَيْسَ يرى ذلك مالكُ بنَ أنس وأصحابه، وكذلك جمهورُ العلماء على ترك القول به، وأن الحدودَ والبِرَّ في الأيمانِ لا تقع إلا بتمام عَدَدِ الضَّرَبَاتِ، وقرأ الجمهور «أولي الأيدي» يعني‏:‏ أولي القوة في طاعةِ اللَّه؛ قاله ابن عباس ومجاهد، وقالت فرقة‏:‏ معناه‏:‏ أولى الأيدي والنِّعَمِ الَّتي أسْدَاها اللَّهُ إليهم من النبوَّة والمكانةِ، ‏{‏والأبصار‏}‏ عبارةٌ عن البصائِر، أي‏:‏ يُبْصرونَ الحقائِقَ وينظرونَ بنورِ اللَّهِ تعالى، وقرأ نافع وحده‏:‏ «بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ»، على الإضافة، وقرأ الباقون «بِخَالِصَةٍ» على تنوينِ «خالِصَةٍ» ف«ذكرى» على هذه القراءةِ بدلٌ من خالِصَةٍ فيحتملُ أنْ يكونَ معنى الآية‏:‏ أنا أخلصناهم بأن خَلُصَ لهم التذكيرُ بالدارِ الآخرةِ ودعاءِ الناس إليها؛ وهذا قول قتادةَ، وقيل المعنى‏:‏ أنا أخْلَصْنَاهم، بأنْ خَلُصَ لهم ذكرَهم للدارِ الآخرة وخوفُهم لها والعملُ بحسب ذلك؛ وهذا قول مجاهد، وقال ابن زيد‏:‏ المعنى أنا وَهَبْنَاهُمْ أَفْضَلَ مَا في الدارِ الآخرةِ، وأخْلَصْناهم به، وأعطيناهم إياه، ويحتمل أن يريدَ بالدارِ دارَ الدنيا على معنى ذكر الثناءِ والتعظيمِ من الناس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 54‏]‏

‏{‏هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ ‏(‏49‏)‏ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ ‏(‏50‏)‏ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ‏(‏51‏)‏ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ ‏(‏52‏)‏ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ‏(‏53‏)‏ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ‏(‏54‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا ذِكْرٌ‏}‏ يحتملُ معنييْنِ‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يشيرَ إلى مَدْحِ مَنْ ذُكِرَ وإبقاءِ الشَّرَفِ له، فيَتأيَّدُ بهذا قولُ مَنْ قَال‏:‏ إن الدارَ يرادُ بها الدنيا‏.‏

والثاني‏:‏ أن يُشيرَ بهذا إلى القرآن، أي‏:‏ ذكرٌ للعالم‏.‏

و ‏{‏جنات‏}‏ بدل من ‏{‏لَحُسْنُ مَئَابٍ‏}‏ و‏{‏مُّفَتَّحَةً‏}‏ نَعْتٌ ل ‏{‏جنات‏}‏، و‏{‏الأبواب‏}‏ مفعولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعله، وباقي الآيةِ بيِّن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 61‏]‏

‏{‏هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ ‏(‏55‏)‏ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ ‏(‏56‏)‏ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ‏(‏57‏)‏ وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ‏(‏58‏)‏ هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ ‏(‏59‏)‏ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ ‏(‏60‏)‏ قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ ‏(‏61‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هذا وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ مَئَابٍ‏}‏ الآية، التقديرُ‏:‏ الأمرُ هذا، ويحتمل أنْ يكونَ التقديرُ‏:‏ هذا واقعٌ أو نحوَهُ، و«الطغيان» هنا في الكُفْرِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ‏}‏ قرأ الجمهورُ‏:‏ «غَسَاق» بتخفيف السينِ وهو اسم بمعنى السائِل، قال قتادةُ‏:‏ الغَسَاقُ‏:‏ ما يَسِيلُ من صديدِ أهلِ النار، قال * ص *‏:‏ الغَسَاقُ السَّائِل، وعن أبي عبيدةَ أيضاً‏:‏ الباردُ المُنْتِنُ بلُغَةِ التُّرْكِ، انتهى، قال الفخرُ‏:‏ ‏{‏هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ‏}‏ فيه وجْهَانِ‏:‏ الأول على التقديمِ والتأخير، والتقديرُ‏:‏ هذا حميمٌ وغساقٌ أي‏:‏ منه حميمٌ وغساقٌ، انتهى، * ت *‏:‏ والوجهُ الثاني‏:‏ أنَّ الآيةَ لَيْسَ فيها تقديمٌ ولا تأخيرٌ وهو واضِح، وقرأ الجمهور ‏{‏وَءَاخَرُ‏}‏ بالإفرادِ، ولَهُمْ عذابٌ آخَرُ، ومعنى ‏{‏مِن شَكْلِهِ‏}‏ أي‏:‏ من مِثْلِهِ وضَرْبِهِ، وقرأ أبو عمرو وحدَه‏:‏ «وأُخَرُ» على الجمعِ، و‏{‏أزواج‏}‏ معناه‏:‏ أنواع، والمعنى‏:‏ لهم حميمٌ وغساقٌ، وأغذية أُخَرُ من ضَرْبِ ما ذُكِرَ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا فَوْجٌ‏}‏ هو مِمَّا يُقَالُ لأهْلِ النارِ، إذا سِيقَ عامَّةُ الكفَّارِ والأتباعِ إليها؛ لأن رؤساءَهم يَدْخلونَ النارَ أولاً، والأظهرُ أنَّ قائلَ ذلكَ لَهُمْ ملائكةُ العذابِ، وهو الذي حكَاه الثعلبيُّ وغَيْرُهُ، ويحتملُ أنْ يكونَ ذلكَ من قولِ بعضِهم لبعض، فيقولُ البعضُ الأخرُ‏:‏ ‏{‏لاَ مَرْحَباً بِهِمْ‏}‏ أي، لا سَعَةَ مَكَانٍ، ولا خَيْرَ يَلْقَوْنَهُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ‏}‏ حكايةٌ لقولِ الأتبَاعِ لرؤسائِهم، أي‏:‏ أنتم قَدَّمْتُمُوهُ لنا بإغوائِكم وأسلفتم لنا ما أوجب هذا، قال العِرَاقِيُّ‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

مُقْتَحِمٌ أَيْ دَاخِلٌ بِشِدَّه *** مُجَاوَزٌ لِمَا اقتحم بالشَّدَّهْ

انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، هو حكايةٌ لقول الأتباعِ أيضاً دَعَوْا على رؤسائِهم؛ بأن يكونَ عذابُهُمْ مُضَاعَفاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏62- 69‏]‏

‏{‏وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ ‏(‏62‏)‏ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ ‏(‏63‏)‏ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ‏(‏64‏)‏ قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ‏(‏65‏)‏ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ‏(‏66‏)‏ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ‏(‏67‏)‏ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ‏(‏68‏)‏ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ‏(‏69‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأشرار‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الضميرُ في ‏{‏قَالُواْ‏}‏ لأشْرَافِ الكفارِ ورؤسائِهم، وهذا مطَّرِدٌ في كل أمة، ورُوِيَ أن قائِلي هذه المقالةِ أهْلُ القَلِيبِ؛ كأبِي جَهْلٍ وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ وعُتْبَةَ بن رَبيعةِ، ومَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، وأنَّ الرجالَ الذين يشيرون إليهم هم كَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وبِلاَلٍ وصُهَيْبٍ، ومَنْ جرى مجراهم، قاله مجاهد وغيره، والمعنى‏:‏ كنا في الدنيا نَعُدُّهم أشْرَاراً، وقرأ حمزةُ والكسائي وأبو عمرو «اتخذناهم» بِصِلَةِ الألِف، على أن يكونَ ذلك في موضِع الصفةِ لرجال، وقرأ الباقونَ «أَتَّخَذْنَاهُمْ» بهمزةِ الاسْتِفْهَامِ، ومعناها‏:‏ تقريرُ أنفسِهِم على هذا؛ على جهة التوبيخ لها والأسفِ، أي‏:‏ اتخذناهم سِخْرِيًّا ولم يكونوا كذلك، وقرأ نافع وحمزة والكسائي‏:‏ «سُخْرِيًّا» بضم السين من السُّخْرةِ، والاستخدامِ، وقرأ الباقون‏:‏ «سِخْرِيًّا» بكسر السين، ومعناها المشهورُ من السَّخْرِ الذي هو بمعنى الهُزْءِ، وقولُهُمْ‏:‏ ‏{‏أَمْ زَاغَتْ‏}‏ معادلةٌ لما في قولِهِمْ‏:‏ ‏{‏مَا لَنَا لاَ نرى‏}‏ والتقديرُ في هذه الآيةِ‏:‏ أمَفْقُودُونَ هم أَمْ هُمْ معنا، ولكن زاغَتْ عنهم أبصارنا، فلا نراهم، والزَّيْغُ‏:‏ المَيْلُ‏.‏

ثم أخْبَرَ تعالى نبيَّه بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار‏}‏ والإشارةُ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ‏}‏ إلى التوحيد والمَعَادِ، فهي إلى القرآن وجميعِ ما تَضَمَّنَ، وعِظَمُهُ أنَّ التصديقَ بهِ نجاةٌ والتكذيبُ به هَلَكَةٌ، ووبَّخَهُمْ بقوله‏:‏ ‏{‏أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ‏}‏، ثم أُمِرَ عليه السلام أن يقولَ محتجًّا على صِحَّةِ رسالتِه‏:‏ «‏{‏مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الأعلى‏}‏ لولا أنْ اللَّه أخْبَرَنِي بذلك» والملأ الأعلى أَرَادَ بِهِ‏:‏ الملائكةَ، واخْتُلِفَ في الشَّيْءِ الذي هُوَ اخْتِصَامُهُمْ فِيه؛ فقالت فرقةٌ‏:‏ اختصامهم في شأن آدَمَ‏:‏ كقولهم‏:‏ ‏{‏أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 30‏]‏ وَيَدُلُّ على ذلك ما يأتي من الآياتِ، وقالت فرقة‏:‏ بل اختصَامُهم في الكفَّارَاتِ وَغَفْرِ الذُّنُوبِ، ونحوه فإن العَبْدَ إذا فعل حسنَةً، اختلفت الملائكةُ في قَدْرِ ثوابِهِ في ذلك، حتى يَقْضِيَ اللَّهُ بما شاء، وروي في هذا حديثٌ فَسَّرَهُ ابنُ فُورَكَ يتضمَّنُ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ له ربُّهُ عزَّ وجلَّ في نومه‏:‏ «أتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأعلى‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ لاَ، قَالَ‏:‏ اختصموا في الْكَفَّارَاتِ والدَّرَجَاتِ، فَأَمَّا الكَفَّارَاتُ‏:‏ فَإسْبَاغُ الوُضُوءِ في الغَدَوَاتِ البارِدَةِ، ونَقْلُ الأَقْدَامِ إلَى الجَمَاعَاتِ، وانتظار الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، وأَمَّا الدَّرَجَاتُ‏:‏ فَإفْشَاءُ السَّلامِ، وَإطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَّلاَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» الحديثَ قال ابن العربيِّ في «أحكامِه»‏:‏ وقَدْ رَوَاهُ الترمذيُّ صحيحاً، وفيه «قال‏:‏ سَلْ؛ قَالَ‏:‏ اللَّهُمَّ، إنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً في قَوْمٍ، فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وأَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَعَمَلاً يُقَرِّبُ إلَيَّ حُبِّكَ» قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنَّهَا حَقٌّ فارسموها، ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا ‏"‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 76‏]‏

‏{‏إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏70‏)‏ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ‏(‏71‏)‏ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ‏(‏72‏)‏ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ‏(‏73‏)‏ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ‏(‏74‏)‏ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ‏(‏75‏)‏ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ‏(‏76‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِن يوحى إِلَىَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ‏}‏ قال الفراء‏:‏ إن شئْتَ جَعَلْتَ «أَنَّما» في موضِعِ رفعِ، كأنَّهُ قَالَ‏:‏ مَا يوحى إليَّ إلا الإنْذَارُ، أو‏:‏ ما يوحى إلَيَّ إلا أَنِّي نَذِيرٌ مُبينٌ، انتهى، وهكذا قال أَبو حَيَّان‏:‏ «إن» بمعنى‏:‏ «ما» وباقي الآيةِ بَيِّنٌ مِمَّا تَقَدَّمَ في «البَقَرَةِ» وغيرِها‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِيَدَىَّ‏}‏ عبارةٌ عن القُدْرَةِ والقُوَّةِ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَسْتَكْبَرْتَ‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ أَحَدَثَ لك الاسْتكبارُ الآن أم كنتَ قديماً مِمَّنْ لا يليق أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هذا لِعَلُوِّ مَكَانِك؛ وهذا على جهةِ التوبيخِ له‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 86‏]‏

‏{‏قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ‏(‏77‏)‏ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ‏(‏78‏)‏ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏79‏)‏ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ‏(‏80‏)‏ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ‏(‏81‏)‏ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏82‏)‏ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏83‏)‏ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ‏(‏84‏)‏ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏85‏)‏ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ‏(‏86‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إلى يَوْمِ الدين * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين * إلى يَوْمِ الوقت المعلوم‏}‏ الآية، «الرَّجِيمُ» أي‏:‏ المرجُومُ بالقولِ السَّيِّئ، واللعنةَ‏:‏ الإبْعَادُ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فالحق والحق أَقُولُ‏}‏ قال مجاهدٌ‏:‏ المعنى‏:‏ فالحقُّ أنا، وقرأ الجمهور‏:‏ «فالْحَقَّ وَالحَقَّ» بِنَصْبِ الاثْنَيْنِ، فأما الثاني، فمنصوبٌ ب«أقول» وأما الأوَّلُ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الإغْرَاءِ، ويحتملُ أنْ ينتصبَ على القَسَمِ، على إسقاط حرفِ القَسَمِ، كأنه قال‏:‏ فَوَالحَقِّ؛ ثم حَذَفَ الحَرْفَ؛ كَمَا تَقُولُ‏:‏ اللَّهَ، لأَفْعَلَنَّ، تريدُ واللَّهِ؛ ويقوِّي ذلك قولُه‏:‏ ‏{‏لأَمْلاَنَّ‏}‏ وقد قال سِيبَوَيْهِ‏:‏ قلتُ للخَلِيلِ‏:‏ ما معْنَى‏:‏ «لأَفْعَلَنَّ» إذا جاءتْ مبتدأَةً‏؟‏ فقال‏:‏ هي بتقديرِ قَسَمٍ مَنْوِيٍّ، وقالَتْ فرقةٌ‏:‏ «الحَقَّ» الأول منصوبٌ بفعلِ ومُضمر، وقرأ ابن عباس‏:‏ «فَالحَقُّ وَالحَقُّ» برفعِ الاثنين، وقرأ عاصمٌ وحمزة‏:‏ «فَالحَقُّ» بالرفع، وَ«الحَقَّ» بالنصب، وهي قراءةُ مجاهدٍ وغيرِه‏.‏

ثم أمر تعالى نبيَّه ‏[‏أنْ‏]‏ يخبرَهم بأنه ليس بسائلٍ منهم عليه أجراً وأنه ليس ممن يتكَلَّفُ ما لم يُجْعَلْ إليه، ولا يَخْتَلِي بغيرِ ما هُوَ فيه، قال الزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ‏:‏ نادى منادِي النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِلَّذِينَ لاَ يَدَّعُونَ، ولاَ يَتَكَلَّفُونَ؛ أَلاَ إنِّي بَرِيءٌ مِنَ التَّكَلُّفِ وَصَالِحُو أُمَّتِي ‏"‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 88‏]‏

‏{‏إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ‏(‏87‏)‏ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ‏(‏88‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنْ هُوَ‏}‏ يريدُ القرآن و‏{‏ذُكِرٌ‏}‏ بمعنى تَذْكِرَة، ثم توعَّدَهُمْ بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ‏}‏ وهذَا على حَذْفٍ تقديرُه‏:‏ لتعلمنَّ صِدْقَ نَبئه بعد حين، قال ابن زيد‏:‏ أشار إلى يوم القيامة، وقال قتادة والحَسَن‏:‏ أشار إلى الآجالِ الَّتي لهم؛ لأن كُلَّ وَاحِدٍ منهم يَعْرِفُ الحَقَائِقَ بَعْدَ مَوْتِهِ‏.‏

سورة الزمر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ‏(‏1‏)‏ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ‏(‏2‏)‏ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ‏(‏3‏)‏ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ‏(‏4‏)‏ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَنزِيلُ الكتاب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، ‏{‏تَنزِيلُ‏}‏ رفعُ بالابتداءِ، والخبرُ قوله‏:‏ ‏{‏مِنَ الله‏}‏ وقالتْ فرقَة‏:‏ ‏{‏تَنزِيلُ‏}‏ خَبَرُ مبتدإ محذوفٍ، تقديرُه‏:‏ هذا تنزيلٌ، والإشَارَةُ إلى القرآنِ؛ قاله المفسرون، ويظهرُ لِي أَنَّه اسمٌ عامٌ لجميعِ ما تَنَزَّلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فكأنَّه أخْبَرَ إخباراً مجرَّداً أَنَّ الكُتُبَ الهاديةَ الشارِعَة إنما تَنْزيلُهَا من اللَّه تعالى، وجَعَلَ هذا الإخْبَارَ تَقْدِمَةً وتَوْطِئَةً لقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بالحق‏}‏ معناه‏:‏ متضمِّناً الحَقَّ، أي‏:‏ بالحقِّ فيه، وفي أحْكَامِهِ وأخباره، و‏{‏الدين‏}‏ هنا يَعُمُّ المُعْتَقَدَاتِ وأعمالَ الجَوَارِحِ، قال قتادة‏:‏ و‏{‏الدين الخالص‏}‏‏:‏ «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، أي‏:‏ يقولون، مَا نَعْبُدُهُمْ إلا ليُقَرِّبُونَا إلى اللَّه زلفى، وفي مصحف ابن مسعودٍ‏:‏ «قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ» وهي قراءة ابن عبَّاس وغيرِه، وهذه المقالة شائعةٌ في العرب في الجاهلية يقولون في معبوداتِهم منَ الأصْنام وغيرها‏:‏ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه، قال مجاهد‏:‏ وقد قال ذلك قومٌ من اليهودِ في عُزَيْرٍ، وقومٌ من النصارى في عيسى‏.‏

و ‏{‏زلفى‏}‏ بمعنى قُرْبَةٍ وتَوْصِلَةٍ، ‏[‏كأنهم‏]‏ قَالُوا ليقرِّبونا إلى اللَّه تَقْرِيباً، وكأنَّ هذه الطوائفَ كلَّها تَرَى نُفُوسَها أقلَّ من أن تَتَّصِلَ هي باللَّه، فكانت ترى أن تَتَّصِلَ بمخلوقاتِه‏.‏

وَ ‏{‏زلفى‏}‏ عند سيبَوَيْهِ، مَصْدَرٌ في موضع الحال كأَنَّه تَنَزَّلَ مَنْزِلَةَ «مُتَزَلِّفِينَ» والعاملُ فيه ‏{‏لِيُقَرِّبُونَا‏}‏، وقرأ الجَحْدَرِيُّ «كذَّابٌ كَفَّارٌ» بالمبالَغَةِ فيهما، وهذه المبالغةُ إشارةٌ إلى التَوَغُّلِ في الكُفْرِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً‏}‏ معناه‏:‏ اتِّخَاذُ التشريفِ والتبنِّي؛ وعلى هذا يستقيمُ قولُه تعالى‏:‏ ‏{‏لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ‏}‏ وأمَّا الاتخاذُ المعهودُ في الشاهدِ فَمُسْتَحِيلٌ أن يُتَوَهَّمَ في جهة اللَّه تعالى، ولا يستقيمُ عليه معنى قوله‏:‏ ‏{‏لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَنبَغِى للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 92‏]‏ لفظٌ يعمُّ اتخَاذَ النسلِ واتخاذَ الاصطِفاء، فأما الأول فمعقولٌ، وأمَّا الثاني فمعروفٌ بخبر الشرع، ومما يدل على أن مَعْنى قوله‏:‏ ‏{‏أَن يَتَّخِذَ‏}‏ إنما المقصودُ به اتخاذُ اصطفاء، وَتَبَنٍّ قولُهُ‏:‏ ‏{‏مِمَّا يَخْلُقُ‏}‏ أي‏:‏ مِنْ موجوداتِه ومُحْدَثَاتِه ثم نَزَّهَ سبحانه نفسَه تنزيهاً مطلقاً عن كلِّ ما لاَ يَلِيقُ بهِ سبحانه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُكَوِّرُ الليل عَلَى النهار‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، معناه‏:‏ يُعِيدُ مِنْ هَذَا على هذا، ومنه كُورُ العِمَامَة التي يَلْتَوِي بعضُها على بعض، فكأن الذي يطولُ مِن النهارِ أو الليلِ يصيرُ مِنْه على الآخرِ جُزْءٌ فيستُرُهُ، وكأن الآخرَ الذي يَقْصُرُ يَلِجُ في الذي يَطولُ، فيستَتِرُ فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 7‏]‏

‏{‏خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ‏(‏6‏)‏ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحدة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا‏}‏ قيل‏:‏ «ثُمَّ» هنا‏:‏ لترتيب الإخْبَارِ لا لترتِيبِ الوُجُودِ، وقيل‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحدة‏}‏‏:‏ هو أخذ الذريةَ مِن ظهر آدم، وذلك شيءٌ كان قبل خلق حَوَّاءَ، * ت *‏:‏ وهذا يحتاج إلى سندٍ قاطعٍ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فِى ظلمات ثلاث‏}‏ قالت فرقة‏:‏ الأولى هي ظَهْرُ الأَبِ، ثم رَحِمُ الأمِّ، ثم المَشِيمَةُ في البَطْن، وقال مجاهد وغيره‏:‏ هي المَشِيمَةُ والرَّحِمُ والبَطْنُ، وهذه الآياتُ كلُّها فيها عِبَرٌ وتنبيهٌ على تَوْحِيدِ الخالِق الذَّي لاَ يَسْتَحِقُّ العبادةَ غَيْرُهُ وتوهينٌ لأمْرِ الأصنام‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قال ابنُ عباس‏:‏ هذه الآيةُ مخاطبَةٌ للكفارِ، قال * ع *‏:‏ وتحتملُ أن تكونَ مخاطبةً لجميع الناس، لأن اللَّهَ سبحانه غنيٌّ عَن جميعِ الناسِ، وهم فقراءُ إليه، واخْتَلَفَ المتأولونَ مِن أهْلِ السنةِ في تأويل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر‏}‏ فقالت فرقة‏:‏ «الرِّضا» بمعنى الإرادَةِ، والكلامُ ظاهرُه العمومُ، ومعناه الخصوصُ فيمن قَضَى اللَّهُ له بالإيمان، وحتَّمَهُ له، فعبادُه على هذا ملائكتُهُ ومؤمِنو الإنْسِ والجِنِّ، وهذا يتركَّبُ على قول ابن عباس، وقالت فرقة‏:‏ الكلامُ عُمُومٌ صحيحٌ، والكُفْرُ يقعُ مِمَّنْ يَقَعُ بإرادَةِ اللَّهِ تعالى، إلا أنه بَعْدَ وُقُوعِهِ لاَ يَرْضَاهُ دِيناً لهم، ومعنى لا يرضاه‏:‏ لا يشكرُه لهُمْ، ولا يُثيبُهم بهِ خَيْراً، فالرضى‏:‏ على هذا هو صفةُ فِعْلٍ بمعنى، القَبُولِ، ونحوِه، وتأمَّلِ الإرَادَةَ فإنما هي حقيقةٌ فيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا؛ فإنما هُو حقيقةٌ فِيمَا قَدْ وَقَعَ، واعْتَبِرْ هذا في آيات القرآن تجِدْهُ، وإنْ كانت العربُ قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوُّز هذا بَدَلَ هذا‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ‏}‏ عمومٌ، والشكرُ الحقيقيُّ في ضِمْنِهِ الإيمانُ، قال النوويُّ‏:‏ وَرُوِّينَا في سُنَنِ أبي دَاوُدَ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، أن رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ من قال‏:‏ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبّاً وبِالإسْلاَمِ دِيناً وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم رَسُولاً، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة ‏"‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 9‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ‏(‏8‏)‏ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ‏(‏9‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ‏{‏الإنسان‏}‏ هنا‏:‏ الكافرُ، وهذه الآيةُ بَيَّنَ تعالى بها عَلَى الكُفَّارِ، أنَّهُمْ على كُلِّ حَالٍ يَلْجَئونَ إليه في حالِ الضروراتِ، و‏{‏خَوَّلَهُ‏}‏ معناه مَلكه وحكَّمَه فيها ابتداءً من اللَّهِ لاَ مُجَازَاةً، ولا يقالُ في الجزاء «خَوَّلَ»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏نَسِيَ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ‏}‏ قالت فرقة‏:‏ «ما» مصدريةٌ، والمعنى‏:‏ نسِيَ دعاءَه إليه في حالِ الضَّرُورَةِ، وَرَجَعَ إلى كُفْرِهِ، وقالت فرقة «ما» بمعْنَى‏:‏ الذي، والمرادُ بها اللَّه تعالى، أي‏:‏ نسي اللَّه، وعبارة الثعلبي‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏نَسِيَ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ تَرَكَ عبادَة اللَّه تعالى والتضرُّعَ إليهِ من قَبْلُ في حال الضُّرِّ انتهى» وباقي الآية بيِّنٌ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ‏}‏ بتخفيف الميمِ، هي قراءة نافعٍ وابنِ كَثِيرٍ وحمزة، والهَمْزةُ للتقرير والاستفهام، وكأنه يقولُ‏:‏ أهذا القانتُ خَيْرٌ أم هذا المذكورُ الذي يتمتَّعُ بكُفْرِهِ قليلاً، وهو من أَصْحَاب النار، وقرأ الباقونَ‏:‏ «أَمَّنْ» بتشديدِ الميمِ، والمعنى‏:‏ أهذا الكافرُ خَيْرٌ أمَّنْ هُو قَانِتٌ‏؟‏ والقانتُ‏:‏ المطِيعُ؛ وبهذا فسَّره ابنُ عبَّاس رضي اللَّه عنهما، والقُنُوتُ في الكلام يَقَع عَلى القِراءةِ وَعَلى طُولِ القيامِ في الصلاةِ؛ وبهذا فسَّره ابنُ عُمَرَ رَضِي اللَّه عنهما قال الفَخْرُ‏:‏ قيل‏:‏ إن المرادَ بقوله‏:‏ ‏{‏أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاءَ اليل‏}‏‏:‏ عُثْمَانُ بْنُ عفَّانَ؛ لأنَّه كَان يُحْيِي الليل، والصحيحُ أنها عامَّةٌ في كلِ من اتَّصَفَ بهذه الصِّفَةِ، وفي هذه الآية تنبيهٌ على فضلِ قيامِ الليلِ، انتهى، ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ؛ أَنَّه قالَ‏:‏ «مَنْ أحَبَّ أَنْ يُهَوِّنَ اللَّهُ عليه الوقوفَ يوم القيامةِ، فَلْيَرَهُ اللَّهُ في سَوَادِ اللَّيْلِ سَاجِداً وقائِماً»، * ت * قال الشيخ عبدُ الحَقِّ في «العَاقِبَةِ»‏:‏ وعن قَبِيصَةَ بْنِ سُفْيَانَ قال‏:‏ رأيتُ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ في المنام بعد موته؛ فقلتُ له‏:‏ ما فعل اللَّه بك‏؟‏ فقال‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

نَظَرْتُ إلى رَبِّي عِيَاناً فَقَالَ لِي *** هَنِيئاً رِضَائي عَنْكَ يَا بْنَ سَعِيدِ

لَقَدْ كُنْتَ قَوَّاماً إذَا اللَّيْلُ قَدْ دَجَا *** بِعَبْرَةِ مَحْزُونٍ وَقَلْبِ عَمِيدِ

فَدُونَكَ فاختر أَيَّ قَصْرٍ تُرِيدُه *** وَزُرْنِي فَإنِّي مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدِ

وكَانَ شُعْبَة بن الحَجَّاج، ومِسْعَرُ بْن كِدَامٍ، رجلَيْنِ فَاضِلَيْنِ، وكانَا مِنْ ثِقَاتِ المُحَدِّثينَ وحُفَّاظِهِم، وكان شُعْبَةُ أَكْبَرَ فَمَاتَا، قال أبو أحمد اليَزِيدِيُّ، فرَأَيتُهما في النَّوْمِ، وكنتُ إلى شُعْبَةَ أَمْيَلَ مِنِّي إلى مِسْعَرٍ، فقلتُ‏:‏ يا أبا بِسْطَامَ؛ ما فَعَلَ اللَّهُ بك‏؟‏ فقال‏:‏ وَفَّقَكَ اللَّه يا بُنَيَّ، احفظ ما أقُولُ‏:‏

حَبَانِي إلهي فِي الْجِنِانِ بِقُبَّة *** لَهَا أَلْفُ بَابٍ مِنْ لُجَيْنٍ وَجَوْهَرَا

وَقَالَ لِيَ الْجَبَّارُ‏:‏ يَا شُعْبَةُ الَّذِي *** تَبَحَّرَ في جَمْعِ الْعُلُومِ وَأَكْثَرَا

تَمَتَّعْ بِقُرْبِي إنَّنِي عَنْكَ ذُو رِضاً *** وَعَنْ عَبْدِيَ القَوَّامِ في اللَّيْلِ مِسْعَرَا

كفى مِسْعَراً عِزًّا بِأنْ سَيَزُورُنِي *** وَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِي وَيَدْنُو لِيَنْظُرَا

وهذا فِعَالِي بِالَّذِينَ تَنَسَّكُوا *** وَلَمْ يَأْلَفُوا في سَالِفِ الدَّهْرِ مُنْكَرَا

انتهى‏.‏ «والآناء»‏:‏ الساعاتُ واحدها «إنًى»؛ كَ«مِعًى» ويقال‏:‏ «إِنْيٌ» بكسر الهمزة وسكون النون، و«أَنًى» على وزن «قَفاً»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ‏}‏ قال ابْنُ الجوزيِّ في «المُنْتَخَبِ»‏:‏ يقولُ اللَّه تعالى‏:‏ «لاَ أجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلاَ أَمْنَيْنِ؛ مَنْ خَافَنِي في الدُّنْيَا، أمَّنتُهُ في الآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي في الدُّنْيَا خَوَّفْتُهُ في الآخِرَةِ»، يَا أَخِي‏:‏

امتطَى القَوْمُ مَطَايَا الدجى على مَرْكَبِ السَّهَرِ، فَمَا حَلُّوا وَلاَ حَلُّوا رِحَالَهُمْ حَتَّى السَّحَرْ، دَرَسُوا القُرآن فَغَرَسُوا بِأَيْدِي الْفِكْرِ أَزْكَى الشَّجَرْ، وَمَالُوا إلى النُّفُوسِ بِاللَّوْمِ؛ فَلاَ تَسْأَلْ عَمَّا شَجَرْ، رَجَعُوا بِنَيْلِ القَبُولِ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرْ، وَوَقَفُوا على كَنْزِ النَّجَاةِ وَمَا عِنْدَكَ خَبَرْ، فإذا جَاء النَّهَارُ قَدَّمُوا طَعَامَ الجُوعِ، وَقَالُوا لِلنَّفْسِ‏:‏ هَذَا الَّذِي حَضَرْ، حَذَوْا عزَمَاتٍ طَاحَتِ الأَرْضُ بَيْنَهَا، فَصَارَ سُرَاهُمْ في ظُهُورِ العَزَائِمْ، تَرَاهُمْ نُجُومَ اللَّيْلِ مَا يَبْتَغُونَهُ على عَاتِقِ الشعرى وَهَامِ النَّعَائِمْ، مَالَتْ بِالقَوْمِ رِيحُ السَّحَرِ مَيْلَ الشَّجَرِ بِالأَغْصَانْ، وَهَزَّ الخَوْفُ أَفْنَانْ القُلُوبِ فانتشرت الأَفْنَان، فَالقَلْبُ يَخْشَعُ واللِّسَانُ يَضْرَعُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَالوَقْتُ بُسْتَانْ، خَلَوْتُهُمْ بِالحَبِيبِ تَشْغَلُهُمْ عَنْ نُعْمٍ وَنَعْمَانْ، سُرُورُهُمْ أَسَاوِرُهُمْ وَالخُشُوعُ تِيجِانْ، خُضُوعُهُمْ حُلاَهُمْ وَمَاءُ دَمْعِهِمْ دُرٌّ وَمَرْجَانْ، بَاعُوا الْحِرْصَ بِالقَنَاعَةِ فَمَا مُلكُ أَنُوشِرْوَان، فَإذَا وَرَدُوا القِيَامَةَ تَلَقَّاهُمْ بَشَرٌ‏:‏ لَوْلاَكُمْ مَا طَابَ الجِنَانْ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانْ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْهُمْ يَا نَائِمُ كَيَقْظَانْ، كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَيْنَ الشُّجَاعُ مِنَ الجَبَانْ، مَا لِلْمَوَاعِظِ فِيكَ نُجْحٌ، مَوْضِعُ القَلْبِ بِاللَّهْوِ مِنْكَ مَلآنْ، يَا أَخِي، قِفْ على بَابِ النَّجَاحِ ولكن وُقُوفَ لُهْفَانْ، واركب سُفُنَ الصَّلاَحِ، فهذا المَوْتُ طُوفَانْ، إخْوَانِي، إنَّمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَرَاحِلْ؛ وَمَرْكَبُ العُمْرِ قَدْ قَارَبَ السَّاحِلْ، فانتبه لِنَفْسِكَ وازدجر يَا غَافِلْ، يَا هَذَا، أَنْتَ مُقِيمٌ فيَّ مُنَاخِ الرَّاحِلِينَ، وَيْحَكَ اغتنم أَيَّامَ الْقُدْرَةِ قَبْلَ صَيْحَةِ، الانْتِزَاعِ، فَما أقْرَب مَا يُنْتَظَرْ، وَمَا أَقَلَّ المُكْثَ فِيمَا يَزُولُ وَيَتَغَيَّرْ‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 16‏]‏

‏{‏قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ‏(‏10‏)‏ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ‏(‏11‏)‏ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏12‏)‏ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏13‏)‏ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ‏(‏14‏)‏ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ‏(‏15‏)‏ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ‏(‏16‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ ياعباد الذين ءامَنُواْ اتقوا رَبَّكُمْ‏}‏ يُرْوَى أنَّ هذهِ الآيةَ نزلتْ في جَعْفَرِ بن أبي طالب وأصحابِهِ، حِينَ عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة، ووعد سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ‏}‏ فقولهُ‏:‏ ‏{‏فِى هذه الدنيا‏}‏ متعلق ب ‏{‏أَحْسَنُواْ‏}‏، والمعنى‏:‏ إنَّ الذين يُحْسِنُونَ في الدنيا لَهُمْ حَسَنَةٌ في الآخِرَة، وهي الجنةُ والنعيمُ؛ قاله مقاتلٌ ويحتملُ أنْ يريدَ‏:‏ أن الذينَ يُحْسِنُونَ لهُم حسَنَةٌ في الدنيا، وهي العافيةُ والظهورُ وولايةُ اللَّهِ تعالى؛ قاله السُّدّيُّ، والأَوَّلُ أرجح أن الحسَنَةَ هِي في الآخِرة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ‏}‏ حَضٌّ عَلى الهجرةِ، ثم وَعَدَ تعالى على الصَّبْرِ على المكارِهِ، والخروج مِنَ الوَطَنِ ونُصْرَةِ الدينِ وجميعِ الطاعات بِتَوْفِيَةِ الأجورِ بغير حِسَابٍ، وهذا يحْتَمِلُ معنيين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الصابرَ يؤتى أَجْرَهُ وَلاَ يحاسَبُ على نعيمٍ ولا يُتَابَعُ بذنوبٍ، ويكونُ في جملة الذين يدخلون الجنةَ بغير حساب‏.‏

والثاني من المعنيين‏:‏ أن أجورَ الصابرينَ توفى بغَيْرِ حَصْر وَلا عَدٍّ، بلْ جُزَافاً، وهذه استعارةٌ للكثرةِ التي لا تحصى؛ وإلى هذا التأويلِ ذَهَبَ جمهورُ المفسرينَ، حتى قال قتادةُ‏:‏ لَيْسَ ثَمَّ واللَّهِ مِكْيَالٌ ولا ميزان، وفي الحديث أَنَّهُ لما نزلت ‏{‏والله يضاعف لِمَن يَشَاءُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 261‏]‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اللَّهُمَّ، زِدْ أُمَّتِي ‏"‏، فَنَزَلَتْ بَعْدَ ذلِكَ ‏{‏مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 245‏]‏ فقال‏:‏ ‏"‏ اللَّهُمَّ زِدْ أُمَّتِي ‏"‏ حتى نزلَتْ‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏، قال‏:‏ «رَضِيتُ يَا رَبِّ»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏ من المعلوم أنه عليه السلام معصومٌ من العِصْيَانِ، وإنما الخطابُ بالآيةِ لأِمَّتِهِ يَعُمُّهُمْ حكمُهُ، ويحفُّهم وعيدُهُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ‏}‏ هذه صيغةُ أَمْرٍ على جِهَةِ التهْدِيدِ، وهذا في القرآنِ كثيرٌ، و«الظُّلَّة» ما غَشِيَ وعَمَّ كالسَّحَابَةِ وَسَقْفِ البيت، ونحوِه‏.‏

‏[‏وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ذلك يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ‏}‏ يريد‏:‏ جميعَ العَالَمِ‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 18‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ ‏(‏17‏)‏ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ‏(‏18‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين اجتنبوا الطاغوت‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قال ابن زيد‏:‏ إن سببَ نزولِها زيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَسَلْمَانُ الفَارِسِيُّ وأبُو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ، والإشارةُ إليهم‏.‏

* ت *‏:‏ سُلَيْمَانُ إنما أسلم بالمدينةِ، فَيَلْزَمُ على هذا التأويلِ أن تكونَ الآيةُ مدنيةً، وقال ابن إسْحَاق‏:‏ الإشَارةُ بِها إلى عَبْدِ الرحمنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلك أنه لما أسْلم أَبو بَكْرٍ سَمِعُوا ذلك؛ فَجَاؤُوهُ، فقالوا‏:‏ أَأَسْلَمْتَ‏؟‏ قال‏:‏ نَعَمْ؛ وذَكَّرَهُمْ باللَّه سبحانه، فآمَنُوا بأجمعهم، فنزلَتْ فيهم هذه الآية، وهي على كلِّ حالٍ عامَّةٌ في الناس إلى يوم القيامة يتناولُهُمْ حُكْمُهَا، و‏{‏الطاغوت‏}‏‏:‏ كلُّ ما عُبِدَ من دون اللَّه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏}‏‏:‏ كَلاَمٌ عامٌّ في جميع الأقوال، والمَقْصِدُ الثناءُ على هؤلاءِ في نفوذِ بصائرهم، وقوام نَظَرِهِم، حتى إنهم إذا سمعوا قولاً مَيَّزوه واتبعوا أحْسَنه، قال أبو حيَّان‏:‏ ‏{‏الذين يَسْتَمِعُونَ‏}‏ صفةٌ ل ‏{‏عِبَادِ‏}‏، وقيلَ‏:‏ الوَقْفُ على عباد، ‏{‏والذين‏}‏ مبتدأٌ خبرُهُ ‏{‏أولئك‏}‏ ومَا بَعْدَهُ، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 21‏]‏

‏{‏أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ‏(‏19‏)‏ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ‏(‏20‏)‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ‏(‏21‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى النار‏}‏ قالت فرقةٌ‏:‏ معنى الآيةِ‏:‏ أَفَمَنْ حَقَّتْ عَلَيْه كلمةُ العَذَابِ فَأَنْتَ تُنْقِذهُ، لكنَّه زَادَ الهَمْزَةَ الثانيةَ؛ تَوْكِيداً، وأظْهرَ الضميرَ تَشْهيراً لهؤلاءِ القَومِ وإظهاراً لِخِسَّةِ منازِلهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ‏}‏ الآية مُعَادَلَةٌ وتَحْضِيضٌ على التقوى، وعَادَلَتْ ‏{‏غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ‏}‏ ما تَقَدَّمَ مِنَ الظُّلَلِ فَوْقَهُمْ وَتَحْتَهُمْ، والأحاديثُ الصحيحةُ في هذا البابِ كثِيرةٌ، ثُمَّ وَقَفَ تعالى نبيَّه عليه السلام وأُمَّتَهُ على مُعْتَبَرٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، فقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قال الطبريُّ‏:‏ الإشارةُ إلى ماءِ المطرِ ونَبْعِ العيونِ منه، ‏{‏فَسَلَكَهُ‏}‏ معناه‏:‏ أجْرَاهُ وأدْخَلَهُ في الأرضِ، و‏{‏يَهِيجُ‏}‏ معناه‏:‏ يَيْبَسُ، وهاجَ الزَّرْعُ والنباتُ‏:‏ إذَا يَبِسَ، والحُطَامُ‏:‏ اليابِسُ المُتَفَتِّتُ، ومعنى «لذكرى» أيْ‏:‏ للبَعْث من القبورِ وإحياء الموتى؛ على قياسِ هذا المِثَالِ المذكورِ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏22‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، رُوِيَ أنَّ هذهِ الآيةَ نزلَتْ في عَلِيٍّ وحمزةَ وأبي لَهَبٍ وابنه؛ وهمَا اللذان كَانا من القَاسِيَةِ قلوبُهُمْ، وفي الكلامِ محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهِرُ؛ تقديره‏:‏ أفمن شَرَحَ اللَّه صدره كالقاسِي القَلْبِ المُعْرِضِ عن أمرِ اللَّه، وشَرْحُ الصدرِ‏:‏ استعارةٌ لتحصيلهِ للنظر الجَيِّدِ والإيمانِ باللَّه، والنُّورُ‏:‏ هدايةُ اللَّه تعالى، وهي أشبهُ شَيْءٍ بالوضَّوْءِ، قال ابن مسعود‏:‏ قلنا يا رَسُولَ اللَّهِ‏!‏ كَيْفَ انشراح الصَّدْرِ‏؟‏ قال‏:‏ إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ، انشرح وَانْفَسَحَ، قُلْنَا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا عَلاَمَةُ ذَلِكَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ الإنَابَةُ إلَى دَارِ الخُلُودِ، والتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والتَّأَهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ، والقسوةُ‏:‏ شِدَّةُ القَلْب، وهي مأخوذةٌ من قَسْوَةِ الحَجَرِ، شَبَّهَ قَلْبَ الكافرِ بهِ في صَلاَبَتِهِ وقِلَّةِ انفعاله، للوَعْظِ، وَرَوَى الترمذيُّ عن ابن عُمَرَ قال‏:‏ قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لاَ تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ وإنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القَاسِي ‏"‏، قال الترمذيُّ‏:‏ هذا حديث حسنٌ غريبٌ‏.‏ انتهى وقال مالكُ بن دِينَارٍ‏:‏ مَا ضُرِبَ عَبْدٌ ‏[‏بعقوبةٍ‏]‏ أعْظَمَ من قَسْوَةِ قلبهِ، قال ابن هِشَامٍ‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله‏}‏ «من» هنا‏:‏ مرادِفَةٌ «عَنْ»، وقيل‏:‏ هي للتعليلِ، أي‏:‏ مِنْ أجْلِ ذكر اللَّه؛ لأنه إذا ذُكِرَ اللَّه، قَسَتْ قلوبُهُمْ؛ عياذاً باللَّه، وقيل‏:‏ هي للابتداءِ، انتهى من «المغني»‏.‏

قال الفَخْرُ‏:‏ اعلم أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سببٌ لحصولِ النُّورِ والهدايةِ وزيادةِ الاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، وقد يُوجِبُ القَسْوَةَ والبُعْدَ عنِ الحَقِّ في النفوسِ الخبيثة الشيطانية، فإذا عَرَفْتَ هذا، فنقول‏:‏ إنَّ رأسَ الأدْوِيَةِ التي تفيدُ الصحةَ الروحانيةَ ورُتْبَتَها هو ذِكْرُ اللَّهِ، فإذا اتفق لبعضِ النفوسِ أنْ صَارَ ذِكْرُ اللَّهِ سبباً لازْدِيادِ مَرَضِها، كانَ مَرَضُ تلكَ النفوسِ مَرَضاً لا يرجى زوالُهُ، ولا يُتَوَقَّعُ علاجُهُ، وكانَتْ في نِهَايَةِ الشَّرِّ والرَّدَاءَةِ، فلهذا المعنى قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله أُوْلَئِكَ فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ وهذا كَلاَمُ كَامِلٍ مُحَقِّقٍ، انتهى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ‏(‏23‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث‏}‏ يريد القرآن، وروي عَنِ ابْنِ عبَّاس أن سبَبَ هذه الآيةِ أنَّ قَوْماً من الصحابةِ قالوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا بِأَحَادِيثَ حِسَانٍ، وَأَخْبِرْنَا بِأَخْبَارِ الدَّهْرِ، فنزلَت الآية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏متشابها‏}‏ معناه مُسْتَوِياً لا تَنَاقُضَ فيه ولا تَدَافُعَ، بل يُشْبِهُ بَعْضُهُ بعضاً في رَصْفِ اللَّفْظِ، ووَثَاقَةِ البراهينِ، وشَرَفِ المعاني؛ إذْ هِيَ اليَقِينُ في العقائدِ في اللَّهِ وصفاته وأفعالهِ وشرعهِ، و‏{‏مَّثَانِيَ‏}‏ معناه‏:‏ مَوْضِعُ تَثْنِيَةٍ للقصَصِ والأقضيةِ والمَوَاعِظِ تثنى فيهِ ولاَ تُمَلُّ مَع ذلك ولا يَعْرِضُهَا ما يَعْرِضُ الحديثَ المَعَادَ، وقال ابن عباس، ثنى فِيه الأَمْرَ مِرَاراً، ولا ينصرفُ ‏{‏مَّثَانِيَ‏}‏ لأنه جمعٌ لا نَظِيرَ له في الواحد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ‏}‏ عبارة عَنْ قفِّ شَعْرِ الإنسانِ عندَما يُدَاخِلُهُ خَوْفٌ ولِينُ قَلْبٍ عند سماعِ موعظةٍ أو زَجْرِ قرآن ونحوهِ، وهذه علامةُ وقوعِ المعنى المُخْشِعِ في قلبِ السامعِ، وفي الحديث؛ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قرأ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَرَقَّتِ الْقُلُوبُ؛ فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اغتنموا الدُّعَاءَ عِنْدَ الرِّقَّةِ؛ فإنَّهَا رَحْمَةٌ ‏"‏ وقال العبَّاسُ بن عبد المُطَّلِبِ‏:‏ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنِ اقشعر جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تعالى، تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَتَحَاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليَابِسَةِ وَرَقُهَا ‏"‏، وَقَالَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ‏:‏ «كان أَصْحَابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ وتقشعرُّ جلودُهم عند سماع القرآن، قيل لها‏:‏ إن أقواماً اليومَ إذا سَمِعوا القرآن خَرَّ أحدُهم مَغْشِياً عليه، فقالت‏:‏ أعوذُ باللَّهِ من الشيطانِ»، وعن ابن عمر نحوُه، وقال ابن سيرين‏:‏ بينَنَا وبين هؤلاء الذين يُصْرَعُونَ عند قراءة القرآن أن يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حَائِطٍ ‏[‏مَادًّا‏]‏ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرأُ عَلَيْه القرآن كلُّه، فإن رمى بِنَفْسِهِ، فهو صَادِقٌ‏.‏

* ت *‏:‏ وهذا كله تغليظٌ على المُرَائِينَ والمتصنِّعين، ولا خلاف أعلمهُ بين أربابِ القلوبِ وأئمَّةِ التصوُّفِ أن المُتَصَنِّعَ عندهم بهذه الأمور مَمْقُوتٌ، وأما مَنْ غَلَبَه الحالُ لِضَعْفِهِ وقَوِيَ الوارِدُ عليه حتى أذْهَبَهُ عَنْ حِسِّه؛ فهو إن شاء اللَّهُ مِن السادةِ الأخْيارِ والأولياء الأبرار، وقَد وَقَعَ ذلك لكثير من الأخْيارِ يَطُولُ تَعْدَادُهم؛ كابن وهب وأحمد بن مُعَتِّبٍ المالكيَّيْنِ، ذكرهما عياض في «مداركه»، وأنهما ماتا من ذلك؛ وكذلك مالك بن دينار ماتَ مِنْ ذلك؛ ذكره عبد الحَقِّ في «العاقبة»، وغيرهم ممن لا يحصى كثرةً، ومن كلام عزِّ الدين بن عَبْدِ السَّلامِ رحمه اللَّه في قواعده الصغرى قال‏:‏ وقَدْ يَصِيحُ بَعْضُهُمْ لِغَلَبَةِ الحَالِ عَلَيْهِ، وَإلْجَائِهَا إِيَّاهُ إلى الصِّيَاحِ، وهو في ذلك مَعْذُورٌ، ومَنْ صَاحَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمُتَصَنِّعٌ لَيْسَ مِنَ القَوْمِ في شَيْءٍ، وكذلِكَ من أظهر شيئاً من الأحوال رياءً أو تسميعاً، فإنه ملحَقٌ بالفجَّار دونَ الأبْرَارِ، انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك هُدَى الله‏}‏ يحتملُ أَنْ يشيرَ إلى القرآن ويحتملُ أنْ يشير إلى الخَشْيَةِ واقشعرار الجُلُودِ، أيْ‏:‏ ذلك أَمَارَةُ هدَى اللَّهِ‏.‏

قال الغَزَّالِيُّ في «الإحياء»‏:‏ والمُسْتَحَبُّ من التالِي للقرآن أن يَتأثر قلبهُ بآثار مختلفةٍ بحسْبِ اخْتِلاَفِ الآيات، فيكون له بحسَبِ كُلِّ فهمٍ حالٌ يَتَّصِفُ به قلبُهُ من الحُزْن والخَوْفِ والرجاءِ وغَيْرِ ذلك، ومَهْمَا تَمَّتْ معرفتُهُ كانَتِ الخشْيَةُ أَغْلَبَ الأحْوَالِ على قلبهِ، انتهى، قال الشيخ الوليُّ عبد اللَّه بن أبي جَمْرَةَ‏:‏ وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قيامِهِ يَكْسُوهُ من كل آية يَقْرَؤُهَا حَالٌ يُنَاسِبُ معنى تلكَ الآية، وكذلك يَنْبَغِي أن تَكُونَ تلاوةُ القرآن وألاَّ يكونَ تالِيهِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 28‏]‏

‏{‏أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ‏(‏24‏)‏ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏25‏)‏ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏(‏26‏)‏ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ‏(‏27‏)‏ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏(‏28‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوءَ العذاب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، تقريرٌ بمعنى التَّعْجِيبِ، والمعنى‏:‏ أَفَمَنْ يَتَّقِي بوجْهِهِ سُوءَ العَذَابِ كَالمُنَعَّمِينَ في الجنةِ، قال مجاهد‏:‏ ‏{‏يَتَّقِى بِوَجْهِهِ‏}‏، أي‏:‏ يُجَرُّ على وَجْهِه في النَّارِ‏.‏

وقالَتْ فِرْقَةٌ‏:‏ ذلك لِمَا رُوِيَ أنَّ الكافرَ يلقى في النارِ مكتُوفاً مربوطةً يداه إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، ويُكَبُّ على وجهِه، فليس له شَيْءٌ يَتَّقِي به إلا وَجْهَهُ، وقالت فرقَة‏:‏ المعنى في ذلك صفةُ كَثْرَةِ مَا يَنَالُهُمْ من العذابِ يتَّقِيهِ بِكَلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُ حتى بِوَجْهِهِ الذي هُوَ أشْرَفُ جوارحِهِ، وهذا المعنى أَبْيَنُ بلاغةً، ثم مَثَّلَ لقريشٍ بالأمم الذين مِنْ قبلهم، وما نالَهُمْ مِنَ العذابِ في الدنيا المتَّصِلِ بعذابِ الآخرةِ الذي هو أكبر، ونَفَى اللَّهُ سبحانه عن القرآن العِوَجَ؛ لأنَّهُ لا اخْتِلاَفَ فيه، ولا تناقُضَ، ولا مَغْمَزَ بِوَجْهٍ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 31‏]‏

‏{‏ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏29‏)‏ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ‏(‏30‏)‏ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ متشاكسون‏}‏، هَذا مَثَلٌ ضربَه اللَّهُ سبحانه في التوحيدِ، فَمَثَّلَ تعالى الكافرَ العابِدَ للأوثانِ والشياطينِ بِعَبْدٍ لرِجَالٍ عِدَّةٍ؛ في أَخْلاَقِهِم شَكَاسَةٌ وَعَدَمُ مُسَامَحَةٍ؛ فهم لذلك يُعَذِّبُونَ ذلك العَبْدَ بتضايقهم في أوقاتهم، ويضايِقُون العبدَ في كثْرَةِ العَمَلِ؛ فهو أبَداً في نَصَبٍ منهم وعناءٍ، فكذلك عَابِدُ الأوْثَانِ الذي يَعْتَقِدُ أَنَّ ضُرَّهُ ونَفْعَهُ عِنْدَهَا؛ هو معذَّبُ الفِكْرِ بِهَا وبحراسَةِ حَالِهِ مِنْهَا، ومتى تَوَهَّمَ أنه أرضى صَنَماً بالذبحِ له في زعمِه، تَفَكّر فيما يصنعُ معَ الآخرِ؛ فهو أبداً تَعِبٌ في ضلالٍ، وكذلك هو المُصَانِعُ للنَّاس المُمْتَحَنُ بخدمةِ الملوكِ، ومَثَّلَ تَعالى المُؤْمِنَ باللَّهِ وحدَهُ؛ بعَبْدٍ لرجُلٍ واحدٍ يُكَلِّفُه شُغْلَهُ؛ فهو يعمله على تُؤدَةٍ وقَدْ سَاسَ مَوْلاَهُ، فالمولى يَغْفِر زَلَّتهُ ويشكُرُه على إجادةِ عَمَلهِ، و‏{‏مَثَلاً‏}‏ مفعولُ ب ‏{‏ضَرِبَ‏}‏ و‏{‏رَجُلاً‏}‏ نَصْبٌ على البَدَلِ و‏{‏متشاكسون‏}‏ معناه‏:‏ لا سَمْحَ في أخلاقِهم؛ بل فيها لَجَاجٌ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «سالماً» أي‏:‏ سالماً من الشّرْكَة، ثم وَقَفَ تعالى الكفارَ بقوله‏:‏ ‏{‏هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً‏}‏ ونَصْبُ ‏{‏مَثَلاً‏}‏ على التمييز؛ وهذا التوقيفُ لا يجيبُ عَنْهُ أحدٌ إلاَّ بأنهما لا يستويان؛ فلذلك عَامَلَتْهُمُ العِبَارَةُ الوجيزةُ على أنهم قد أجابوا، فقال‏:‏ ‏{‏الحمد للَّهِ‏}‏ أي‏:‏ على ظهور الحجَّةِ عليكم من أقوالِكم، وباقي الآية بيِّن‏.‏

والاخْتِصَامُ في الآية قيلَ‏:‏ عَامٌّ في المؤمنِين والكَافِرين، قال * ع *‏:‏ ومعنى الآيةِ عندي‏:‏ أن اللَّه تعالى تَوَعَّدَهُم بأنهم سيَتَخاصَمُونَ يَوْمَ القيامةِ في معنى ردِّهم في وجهِ الشريعةِ وتكذيبِهمْ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وَرَوَى الترمذيُّ من حديث عبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ قال‏:‏ ‏"‏ لما نَزَلَتْ‏:‏ ‏{‏ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ‏}‏ قال الزُّبَيْرُ‏:‏ يا رَسُولَ اللَّهِ‏:‏ أَتُكَرَّرُ عَلَيْنَا الخُصُومَةُ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا في الدُّنْيَا‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ قَالَ‏:‏ إنَّ الأَمْرَ إِذَنْ لَشَدِيدٌ ‏"‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 35‏]‏

‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ‏(‏32‏)‏ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ‏(‏33‏)‏ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏34‏)‏ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، الإِشارةُ بهذا الكذبِ إلى قولهم‏:‏ «إن للَّه صاحبةً وولداً» وقولِهِمْ‏:‏ هذا حلالٌ، وهذا حرامٌ، افتراءً على اللَّه، ونحوَ ذلك، وكذَّبُوا أيضاً بالصِّدْقِ، وذلك تكذيبُهم بما جاءَ به محمدٌ صلى الله عليه وسلم، ثم توعَّدَهم سبحانه تَوَعُّداً فيه احتقارُهم بقوله‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين‏}‏ وقرأ ابن مسعود‏:‏ «والَّذِينَ جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ» والصدقُ هنا القرآن والشَّرْعُ بجُمْلَتِهِ؛ وقالتْ فرقةٌ «الذي» يراد بِهِ‏:‏ «الذين»، وحُذِفَتِ النونُ، قال * ع *‏:‏ وهذا غيرُ جَيِّدٍ وَترْكِيبُ «جاء» عليه يَرُدُّ ذلك، بل «الذي» ههنا هي للجنس، والآيةُ مُعَادِلة لقولهِ‏:‏ ‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ‏}‏‏.‏ قال قتادة وغَيْرُهُ‏:‏ الذي جاء بالصِّدْقِ هو محمَّدُ عليه السلام والَّذي صَدَّقَ به همُ المؤمنونَ؛ وهذا أَصْوَبُ الأقْوالِ، وذَهَبَ قومٌ إلى أن الذي صدَّقَ به أبو بكرٍ، وقيل‏:‏ عليٌّ وتَعْمِيمُ اللفظ أَصْوَبُ‏.‏

وقولهُ سبحانه‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون‏}‏ قال ابن عبَّاس‏:‏ اتَّقَوُا الشِّرْكَ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِيُكَفِّرَ‏}‏ يحتملُ أن يَتَعَلَّقَ بقوله‏:‏ ‏{‏المحسنين‏}‏ أي‏:‏ الذين أحسنوا، لكَيْ يُكَفِّرَ؛ وقاله ابن زيد، ويحتملُ أن يتعلَّقَ بفعلٍ مُضْمَرٍ مَقْطُوعٍ مما قَبْلَهُ؛ تقديرهُ‏:‏ يَسَّرَهُمُ اللَّهُ لذلكَ؛ لِيُكَفِّرَ، لأنَّ التَّكْفِيرَ لاَ يكونُ إلا بَعْدَ التَّيْسِيرِ لِلْخَيْرِ‏.‏